غالية بنت محمد عقاب المطيري
الرجل مخلوقٌ؛ يظنّ الناظر إليه أنّه يتمتّع بسيطرةٍ تامة، ولكن الحقيقة أنّ تلك السيطرة والقيادة ترجع لأنّ وظيفته الحماية، لذلك أُعطي تلك الصفات ليتحمّل المشاقّ والصعاب، وليكون السدَّ المتين الذي يتلقّى فيضان الأنهار واجتياح السيول، حتى لا تنهدم تلك المدينة التي يحميها.
ولهذا، كانت طبيعة خلقته وصفاته التي وهبها الله له من قوّةٍ وصلابة، وقدرةٍ عالية على التركيز، وذكاءٍ فذّ، ومقدرةٍ على التحمّل تفوق الوصف.
ولهذا خلق الله له حواء ناعمةً منعّمة، كي تُنسيه تلك الآلام التي يعانيها، وتلك المشاقّ التي يتحمّلها. لكنّه في هذا العصر ابتُلي بحواء تصارعه المكانة، وتريد أن تكون هي السدّ، وأن تكون هي القائدة. فتنحّى جانبًا، فكانت تلك المسكينة ناعمة العود كالغصن الرطب في وجه السيول والعواصف، فرمت بها تلك الضغوط على أبواب المصحّات.
فقام ذلك الرجل يلملم ما تبقّى، ويحاول أن يُصلح ويُعيد بناء ما تهدّم، فيستقرّ المجتمع حينًا من الدهر، حتى تقوم زوبعة أخرى من أغبى بنات حواء لتُعيد تلك المأساة.
وهذا الرجل، على قوّة تحمّله ومقدرته الفذّة على البناء والقيادة، إلّا أنّه عندما يُقهر من رجلٍ مثله، يكون حاله كمن استحوذت أغنية على وجدانه؛ فأصبح يهزّ كتفيه ويتمايل معها.
فحركات عينيه، وشفتاه اللتان تسابقان شفاه المغنّي دون أدنى إدراك: هل وافقت أم خالفت كلمات تلك الأغنية؟ وبين الحين والآخر يخرج صوتٌ مشوَّه يحاول مجاراة اللحن، وكثيرًا ما يخونه.
وكفّان تروحان ذهابًا وإيابًا على غير هدى، تعلوان إلى أعلى ثم تهبطان بشيءٍ من اللامبالاة، وكأنّهما قد خرجتا عن إطار العقل المتحكّم بهما.
وكلاهما، المستمع لتلك الأغنية والمقهور، قد خرجا عن إطار العقلانية والمعقول. غير أنّ مجنون تلك الأغنية يُرجى رجوعه، أمّا الرجل المقهور فقد تزعزعت نفسه وماتت روحه، وإن بقي جسده.
والرجل المقهور يشعر بقهر الرجال له كنارٍ حامية تشتعل فتحرّك كلّ شيء، أو كأنّها حمم بركانٍ ثائر لا يُبقي على لونٍ للحياة إلّا وأحاله رمادًا تذروه الرياح.
فالرجل إذا قهر رجلاً أخر أخذ كلّ شيء منه بأبشع طريقةٍ وأسوأها، حتى الهواء الذي يتنفسهُ خصمه يحيلها نارًا تحرق جوف ذلك المسكين، فيودّ لو يبقى بلا نفسٍ ليرتاح من تلك النار الموجعة، وهيهات له ذلك.
فالمقهور كإنسان لا يعرف السباحة، أُلقي به في محيطٍ لا شاطئ له، فيتخبّط باحثًا عن مخرج فلا يجد. إلّا أنّ ذلك السابح الجاهل يهلك فيرتاح، أمّا المقهور فيبقى يصارع قهره غارقًا في ظلماته، حتى يُرديه إمّا فاقد العقل، أو قاتل نفسه لا محالة.
فالرجل لا يهزمه إلّا مذاق القهر المرّ؛ فإن سلب الروح أهون ممّا يجده المقهور من موج القهر المحرق، فهو يتقيّأ الدم الحارق وحتى الماء البارد الزلال لا يُطفئ تلك النار المتّقدة.
وللقهر أمران:
إمّا أن يقتل صاحبه، وتلك نهاية أخفّ من الثانية،وإمّا أن يتحوّل وحشًا كاسرًا جريحًا، يبحث عمّن يطفئ نار القهر داخله، فينتقم ممّن قهره ولو بعد حين، ومن كلّ كائنٍ حي؛ فلا يُبقي ولا يذر.
وقصص ذلك الانتقام موجودة مشهورة في التاريخ وفي حكايات الشعوب، من مآثر قهر الرجال ورواياتهم، ومن ذلك على سبيل الذكر لا الحصر:
سبارتاكوس، ذلك القائد الذي أُجبر على أن يكون مصارعًا يُقاتل حتى الموت من أجل تسلية الجمهور، فثار منتقمًا من مجتمعه كافّة، فأسرف بالقتل، وثارت معه جموع العبيد، لتكون تلك المذابح المروّعة. ولم تنطفئ نار قهره إلّا حين قُتل عام 73 قبل الميلاد على القول الراجح.
وأيضًا من يتتبّع قصص ومسرحيات شكسبير يجد قصص الانتقام والقهر والظلم مذكورة بوضوح، وإن كانت روح الأديب لديه تغلبه أحيانًا فيُجمّلها بالحبّ والهوى، إلّا أنّ روح المقهور ومرارة القهر تطغى على كتاباته، فهو أشهر من كتب عن التراجيديا المأساوية على مرّ التاريخ.
ولذلك أمرنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن نتعوّذ من قهر الرجال صباحًا ومساءً في الذكر المأثور:
«اللَّهم إنّي أعوذ بك من الهمّ والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال».
هذا في قهر الرجال، أمّا قهر الحبّ الذي وصفه الشاعر بهذه الأبيات، فهو زاوية أخرى سنعود لها في يومٍ قريب:
يا خيبةَ ظنوني ويا كبرَ القهر
ودّي أقول لدورة الأرض: أوقفي
لا تبدي أعذارك أنا اللي بعتذر
واستسمحك باقي سنيني وأختفي
قلبك قدر يجرح وقلبي ما قدر
سكت، وسكوتي علامةٌ للنفي
من عادة الدنيا ومن طبع البشر
ضريبة الخذلان يدفعها الوفي!