أ.د.عثمان بن صالح العامر
من المعلوم أن كلاً منا عبد لله، مكلَّف بأعمال ظاهرة وباطنة وسيحاسب عليها جميعاً يوم الدين، ومن أشق الأعمال وأشدها جريرة ما كان قلبياً، وعلى رأسها وفي مقدمتها (النيَّة) ولذا عد الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- وغيره الحديث الذي رواه أبو حفص عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلث الإسلام، أعني حديث (إنما الأعمال بالنيِّات) المتفق عليه. ومع أن النوايا لا يعلمها إلا الله، ولا يجوز أن نحكم على أحد ونقطع بأن نيته في عمله الظاهر ما تمليه علينا أهواؤنا ورغباتنا وظنوننا الشخصية، فنقع في الإثم الذي نهينا عنه، إلا أنه يمكن لنا أن نستخلص من وقائع عرفناها، وحوادث شهدناها أن هذا الإنسان نيته الطيبة حققت له مبتغاه بعد توفيق الله وعونه وتسديده، والآخر ربما كانت نيته سيئة فكان نتاج عمله وبالاً عليه، ولا نجزم بذلك طبعاً كما سبق أعلاه، إذ قد يكون ما حدث له فتنة له وابتلاء ليمحصه الله ويرفعه بما أصابه الدرجات العليا في الجنة. إلا أن هناك أعمالاً معينة حذَّر منها الشارع الحكيم مبناها (النيَّة) مما يعني إمكانية الربط بين الظاهر والباطن، السبب والمسبب، ومنها قوله عليه الصلاة والسلام (مَن أخَذَ أموالَ النَّاسِ يُريدُ أداءَها أدَّى اللهُ عنه، ومَن أخَذَ يُريدُ إتلافَها أتلَفَه اللهُ). رواه البخاري.
قال شرَّاح الحديث (... فيُبيِّنُ عليه الصلاة والسلام أنَّ مَن أخَذَ أموالَ النَّاسِ على سَبيلِ القرْضِ أو غيرِه مِن أوجُهِ المُعامَلاتِ، وهو يَقصِدُ ويَعزِمُ على ردِّ دَينِه؛ يَسَّرَ اللهُ له ما يُؤدِّي منه، وأَرْضَى دَائنَه عنه في الآخرةِ إنْ لم يَستطَعِ الوَفاءَ في الدُّنيا. أمَّا مَن أخَذَ أموالَ النَّاسِ على سَبيلِ القرْضِ أو غيرِه مِن أوجُهِ المُعامَلاتِ، وهو يُريدُ «إتلافَها»، أي: عدَمَ رَدِّها؛ «أتْلَفَه اللهُ»، أي: أذهَبَ مالَه مِن يَدِه، فلا يَنتفِعُ به في الدُّنْيا؛ لِسُوءِ نِيَّتِه، وعاقَبَه على الدَّينِ في الآخرةِ).
يالله... يكون الله عزَّ وجلَّ هو من يتولى معاقبة من ساءت نيته في التعاملات المالية، والعقاب ليس بالأمر الهين، بل هو ذهاب ماله من بين يديه، إما بانكسار في تجارة، أو خسارة في أسهم، أو بوقوعه تحت سطوة عصابة تسلبه ما بين يديه أو... من تلك الحالات التي تمحق المال وتتلفه، فيبقى عاجزاً عن الوفاء بمتطلبات حياته الأساسية بعد أن كان يتلاعب بالمال ويصرفه في كل وجه، وتصبح حياته عذاب لأن الله هو من انتقم للمقرض الذي وثق به، وقد يقوده التلف هذا الواقع عليه في شخصه لا على ماله فحسب إلى جملة من الأمراض النفسية التي تلازمه حتى تقضي عليه لا سمح الله، ولعظم شأن المال في النفوس البشرية جاء هذا التحذير النبوي من مجرد النية حتى ولو كان المأخوذ قليلاً ليرتدع المتهاونون في حقوق غيرهم، ذوي النهم والجشع الذي لا حد له من سوء الطوية فيكون العقاب عليهم عاجلاً في الدنيا، وما ينتظرهم في الآخرة أشد وأبقى، (فاللَّهم اجعل المال في أيدينا ولا تجعله في قلوبنا)، وإلى لقاء، والسلام.