نجلاء العتيبي
يتكرَّر في حياة كثير من الناس شعورٌ بالضيق لا يرتبط بخللٍ غير ملحوظٍ، أيامهم تمضي بيُسر، تتوفَّر الوسائل، تتعدَّد الخيارات، ومع ذلك يظلُّ الإحساس بالملل حاضرًا دون تفسير واضح.
هذا التناقض لا يصنعه الواقع بقدرٍ ما، فراغٌ يكشف خللًا في طريقة النظر إليه؛ لأن دور الإنسان في الحياة لم يُبنَ على الترفيه وحده، ولم يُخلق ليطارد المتعة بوصفها غاية؛ بل خُلق ليعمر، ليعي، ليؤدي معنًى يتجاوز اللحظة.
المشكلة لا تبدأ حين يظهر الملل، وإنما حين يُفهَم على نحو سطحي؛ فيُتعامل معه كحاجة إلى تغيير أو كإشارة إلى ضرورة إضافة مزيد من التنوُّع، هذا الفهم يقود إلى حلول سريعة لكنها لا تلامس الجذر؛ فيزداد الانشغال، وتتغيَّر التفاصيل، ويبقى الشعور كما هو؛ لأن أصل المسألة لا يتعلَّق بما يحيط بالإنسان، وإنما بما يربط داخله بما يعيشه، ويمنحه تفسيرًا.
الروتين ليس عيبًا في ذاته.. وقد يكون إطارًا منتجًا حين يحمل قيمة واضحة، والإشكال يبدأ عندما تصبح الأيام متشابهة في خلوها لا في تكرارها؛ فحين لا يجد الإنسان في يومه ما يستحق الانتباه يتحوَّل التكرار إلى ثقلٍ ليس لأن الزمن يعيد نفسه، وإنما لأن المعنى غائب عنه، فلا يبقى في التجربة ما يُميِّزها أو يمنحها وزنًا حقيقيًّا يثبت أثرها الخلط بين الراحة والمعنى، ويجعل الصورة أكثر التباسًا؛ فالراحة تُسهِّل تفاصيل العيش، لكنها لا تمنح سعادةً له، توفر الأدوات لكنها لا تحدد الغاية من استخدامها.
لذلك قد يعيش الإنسان في ظروف ميسَّرة، ومع ذلك يشعر باضطراب داخلي لا يجد له تفسيرًا مباشرًا؛ لأن ما يحتاجه أعمقُ من مجرد تيسير الحياة، يحتاج إلى ما يُفسِّرها، ويضبط اتجاهها.
فحين تُختزل الحياة في المتعة يفقد الإنسان توازنه، ويصبح يومه مرهونًا بحالته المزاجية، ويتحوَّل تقييمه لحياته إلى استجابة لحظية لا معيارَ ثابتاً لها؛ فيرتفع الرضا، وينخفض دون سبب حقيقي؛ لأن الأساس الذي يقوم عليه متغير بطبيعته.
أما حين يرتبط الفعل بهدف أوسع فإن المعنى يمنح التجربة ثباتًا، ويعيد ترتيب العلاقة بين الجهد والنتيجة بصورة أكثر اتساقًا.
هذا الاختزال لا يأتي من فراغ، بل يتعزَّز ضمن تصوُّر سطحي عام يربط جودة الحياة بسهولة تفاصيلها؛ فيُفهم أن تقليل الجهد هو الطريق إلى الرضا، وأن تيسير كل شيء كفيل بصناعة حياة أفضل، غير أن هذا التصوُّر يتجاهل جانبًا أساسيًّا في تكوين الإنسان، وهو حاجته لأن يكون فاعلًا، لا متلقيًا مستهلكًا فقط لأن الإنسان لا يكتفي بأن يعيش؛ بل يحتاج أن يفهم موقعه مما يعيش، ويحدد أثره فيه.
فعندما يغيب هذا الفهم يظهر أثره في القرارات قبل المشاعر، يتردَّد الإنسان في اختياراته، ويتنقَّل بين الاتجاهات دون استقرار، ويشعر بثقلٍ في التزاماته المفروضة مهما كانت بسيطة ليس بسبب عجز، وإنما بسبب غياب رابط واضح بين ما يفعله وما عليه وما يريد أن يكونه، مع استمرار هذا الانفصال تتحوَّل الحياة إلى مسار متقطع لا يجمعه خط واضح ولا هدف يمكن الرجوع إليه عند التردُّد.
إعادة التوازن لا تتطلَّب تغيير الظروف بقدر ما تتطلَّب تصحيح زاوية النظر، أن يعيد الإنسان طرح الأسئلة التي يتجاوزها عادة، وأن ينظر إلى يومه بوصفه جزءًا من مسار، لا مجرد وقت يجب ملؤه، هذه المراجعة لا تقدم حلولًا فورية لكنها تعيد بناء العلاقة بين الداخل والخارج، وتمنح الأفعال سياقًا يربطها بما بعدها، ويكشف أثرها الحقيقي.
وليست المشكلة في وجود الملل إنما في تحويله إلى معيار للحكم على الحياة؛ فالحياة لا تُقاس بما تمنحه من راحة آنية، بل بما تحمله من قيمة ممتدة، فحين يتضح هذا المعنى يتغيَّر تعامل الإنسان مع يومه، فلا ينشغل فقط فيما يملأ وقته، ولكن فيما يضيف إلى فهمه ويمنح وجوده اتجاهًا يمكن البناء عليه بثبات واستمرار.
ضوء
«الحياة تصبح ثقلًا عندما نعيشها بلا فهمٍ لما نفعل؛ فتتكرَّر الأيام دون أثرٍ، وتبقى الخيارات فارغة ما لم يرتبط كل عمل بمعنًى يوجّه».