وائل العتيبي - جدة:
في ليلةٍ بدت كأنها مُصمَّمة لتستعيد ما نسيه العالم من دفئه، تحوّلت دار فرنسا مساء الخميس 9 أبريل إلى مساحةٍ نابضة بالإنسان، مع افتتاح معرض «ميموريا» للمصور السعودي محمد محتسب، في حدثٍ ثقافي استثنائي تجاوز حدود العرض البصري، ليغدو طقسًا إنسانيًا تُستعاد فيه الذاكرة وتُروى فيه الحكايات دون كلمات، بحضور نخبة من القناصل العامين وشخصيات مؤثرة من المشهدين الثقافي والاجتماعي.
«ميموريا» ليس معرضًا يُرى بقدر ما هو تجربة تُعاش؛ إذ يعيد محتسب تشكيل الصورة بوصفها كائنًا حيًا يحتفظ بذاكرة البشر، ويقود المتلقي في رحلةٍ عابرة للزمن والمكان، حيث الوجوه ليست مجرد ملامح، بل خرائط حياة، وحيث التفاصيل الصغيرة تتحول إلى شواهد كبرى على إنسانيةٍ مشتركة. هنا، لا تُلتقط اللحظة لتُعرض، بل لتُخلّد، ولا تُشاهد الصورة، بل تُحسّ.
ومن خلال عدسةٍ تنصت قبل أن ترى، يقدّم محتسب مشروعًا بصريًا يتجاوز التوثيق إلى كتابة سردٍ إنساني عميق، يجعل من الصورة لغةً عالمية لا تحتاج إلى ترجمة. إنه ينتمي إلى جيلٍ سعودي أعاد تعريف الفوتوغرافيا كخطابٍ ثقافي، قادر على حمل ذاكرة الشعوب والتعبير عن هشاشتها وقوتها في آنٍ واحد، لتغدو أعماله أقرب إلى أرشيفٍ حيّ يُكتب بالضوء.
ويأتي «ميموريا» امتدادًا لمسارٍ إبداعي يتصاعد بثبات، إلى جانب مشاريع نوعية مثل «هُنّ الحكاية»، حيث تتجلى حساسيته العالية تجاه اللحظة الإنسانية في أنقاها، مؤكدًا أن الصورة ليست انعكاسًا بصريًا، بل اعترافٌ صامت، ورسالة تعبر القارات دون أن تفقد حرارتها.
هذا الحضور العالمي لم يتكوّن صدفة؛ فقد استطاع محتسب أن يحجز مكانه في خارطة التصوير الدولية، محققًا أكثر من 800 جائزة عالمية، في إنجاز يعكس عمق تجربته واتساع أثره. كما تُوّج ضمن جوائز جوائز سوني العالمية للتصوير، ونال لقب «ZEUS» من الاتحاد الدولي للمصورين GPU، وهو تقدير لا يُمنح إلا للمشاريع التي تتكامل فيها الرؤية مع الرسالة.
وفي لحظةٍ تختصر معنى اللقاء بين الثقافات، أشاد القنصل العام الفرنسي محمد نهاض بالمعرض، مؤكدًا أن هذه الأمسية تجسّد التقاء الفن بالذاكرة، وتعكس التزام فرنسا بدعم الإبداع وتعزيز جسور الحوار الثقافي مع المملكة، حيث تحوّلت دار فرنسا إلى منصةٍ تتقاطع فيها القيم الإنسانية مع التعبير الفني.
ولأن الفن الحقيقي لا ينفصل عن أثره، فقد حمل المعرض بُعدًا إنسانيًا عميقًا، من خلال تخصيص 50% من عائداته لصالح الجمعية النسائية الخيرية الأولى، بحضور رئيسها التنفيذي عبير جميل أبوسليمان، في مبادرة تؤكد أن الصورة يمكن أن تكون يدًا ممدودة، وأن الجمال حين يقترن بالفعل يتحوّل إلى قوة تغيير حقيقية تدعم الأطفال وتمكّن المرأة وتساند الأسر.
ويُذكر أن محتسب عضو في اللجنة الاستشارية بجمعية الثقافة والفنون بجدة، ويحمل عضويات في أبرز الكيانات الدولية، منها جمعية التصوير الفوتوغرافي الأمريكية PSA والاتحاد الدولي لفن التصوير الفوتوغرافي FIAP، إضافة إلى اتحاد المصورين العرب، كما نال درجة الماجستير (M.APS) في التميز من جمعية التصوير الرشيقة (APS).
وتتوج مسيرته بسلسلةٍ من الألقاب الرفيعة، من بينها فنان الغياب، والبراعة، و»Aphrodite»، وVIP4، وCR4، وCR5، وZEUS، إلى جانب تحقيقه المركز الأول في التصنيف الوطني للمملكة لعام 2024 من الرابطة الدولية للمصورين الفنيين، وفوزه بالجائزة الوطنية ضمن جوائز سوني العالمية للتصوير لعام 2025، فيما بلغت حصيلته نحو 850 جائزة دولية.
واختُتمت الأمسية بروحٍ لا تُختتم، حيث تداخل الفن مع الإنسان في مشهدٍ واحد، مؤكدةً أن الثقافة قادرة على أن تكون مساحة لقاء لا اختلاف، وجسرًا يعبر فوق المسافات. كما عكس الحدث عمق العلاقات الثقافية بين المملكة العربية السعودية وفرنسا، في إطار شراكةٍ تنمو بالفن وتزدهر بالحوار.
في «ميموريا»، لا تُعلّق الصور على الجدران.. بل تُستعاد الحياة من داخلها، ويُكتب الإنسان من جديد، لا كما هو. بل كما ينبغي أن يُرى.