أحمد آدم
لم تكن خسارة فيكتور أوربان في انتخابات المجر مجرد تحول سياسي محلي، بل إشارة أوسع إلى بداية انحسار موجة اليمين المتطرف التي طبعت المشهد العالمي خلال السنوات الأخيرة.
هذه الموجة، التي رفعت شعارات السيادة والحمائية، لم تبقَ حبيسة الخطاب السياسي، بل امتدت آثارها إلى الاقتصاد العالمي، وأثقلت كاهل الأسواق الناشئة، وعلى رأسها الاقتصادات العربية.
اليوم، ومع بدء هذا التراجع، يبرز سؤال جوهري: هل يمثل ذلك فرصة حقيقية لالتقاط الأنفاس اقتصاديًا في العالم العربي؟
بودابست 2026: القلعة التي سقطت من الداخل
لقد حدثت مفاجأة تاريخية ومدوية. ففي يوم الأحد 12 أبريل 2026، خسر فيكتور أوربان الانتخابات البرلمانية في المجر بعد أن قضى 16 عاماً متواصلة في السلطة. أقر فيكتور أوربان بخسارته مساء أمس، واصفاً النتيجة بأنها «مؤلمة ولكنها واضحة»، وهنأ منافسه بالفوز. وقد حقق حزب «تيسا» المعارض، بقيادة بيتر ماغيار، فوزاً كاسحاً.
واشارت النتائج (بعد فرز أكثر من %98 من الأصوات) إلى حصول حزب «تيسا» على 138 مقعداً من أصل 199 مقعداً في البرلمان، وهو ما يمنحه أغلبية الثلثين التي تمكنه من تعديل الدستور وإلغاء إصلاحات عهد أوربان.
لماذا تعتبر «مفاجأة»؟ لقد أنهت هذه النتيجة سيطرة حزب «فيدس» المطلقة على المشهد السياسي منذ عام 2010. صعود سريع: بيتر ماغيار، الذي كان عضواً سابقاً في الحزب الحاكم، نجح في غضون عامين فقط في بناء حركة معارضة قوية استقطبت الناخبين الذين سئموا من الفساد والمحسوبية. مشاركة قياسية: بلغت نسبة المشاركة أكثر من 77 %، وهي الأعلى منذ سقوط الشيوعية في 1989، مما يعكس رغبة شعبية قوية في التغيير.
تستعد المجرالان لمرحلة انتقالية كبرى، حيث يُتوقع أن يسعى ماغيار لإصلاح العلاقات مع الاتحاد الأوروبي وفك تجميد الأموال الأوروبية التي كانت محجوبة بسبب خلافات سيادة القانون مع حكومة أوربان السابقة.
خريطة الارتدادات: ارتياح في بروكسل وارتباك في موسكو
أثارت خسارة فيكتور أوربان المدوية في انتخابات 12 أبريل 2026 ردود فعل دولية واسعة النطاق، تراوحت بين الاحتفال العارم في بروكسل وعواصم أوروبا، وبين الصدمة والارتباك في الأوساط الحليفة لأوربان في واشنطن وموسكو.
* الاتحاد الأوروبي: «المجر عادت إلى حضن أوروبا»: سادت حالة من الارتياح الكبير في أروقة الاتحاد الأوروبي، حيث اعتُبر أوربان لسنوات «عقبة» أمام القرارات الموحدة: أورسولا فون دير لاين: صرحت رئيسة المفوضية الأوروبية بأن «المجر اختارت أوروبا»، مؤكدة أن الاتحاد أصبح أقوى الآن بعودة المجر لمسارها الأوروبي. روبرتا ميتسولا: رحبت رئيسة البرلمان الأوروبي بفوز «بيتر ماجيار»، قائلة إن «مكان المجر هو قلب أوروبا».
* بولندا: «نحن معاً من جديد»: كانت ردة الفعل البولندية الأكثر حماساً نظراً للتقارب التاريخي، رغم الخلافات الأخيرة مع أوربان بسبب موقفه من روسيا: دونالد توسك: رئيس الوزراء البولندي غرد بعبارة «المجر، بولندا، أوروبا عدنا معاً! انتصار مجيد»، وأضاف عبارة أيها الروس، اذهبوا إلى دياركم، في إشارة إلى إنهاء النفوذ الروسي الذي كان يمثله أوربان.
* الولايات المتحدة: انقسام بين الإدارة والجمهوريين: الديمقراطيون: اعتبر قادة مثل تشاك شومر وحكيم جيفريز أن خسارة أوربان هي رسالة «للديكتاتوريين الطموحين» (في إشارة لترامب)، معتبرين إياها مؤشراً لما قد يحدث في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية القادمة.
* المحافظون وحلفاء ترامب: سادت حالة من الإحباط لدى الجناح المؤيد لترامب؛ حيث كان نائب الرئيس جي دي فانس قد زار بودابست قبل أيام لدعم أوربان. ووصف بعض حلفاء ترامب، مثل إيلون ماسك، النتيجة بأنها «محزنة».
* روسيا وأوكرانيا: تحول في موازين القوى: روسيا: تشير التقارير إلى أن الكرملين كان «يستعد» لهذه الخسارة منذ أيام، ويخطط لوصفها بـ «الثورة الملونة» التي دبرها الاتحاد الأوروبي. اعتُبر سقوط أوربان خسارة لأهم حليف لبوتين داخل الاتحاد الأوروبي.
* أوكرانيا: هنأ الرئيس زيلينسكي بيتر ماجيار، معرباً عن أمله في فتح صفحة جديدة من علاقات حسن الجوار بعد سنوات من قيام أوربان بعرقلة المساعدات الأوروبية لكييف.
العالم ينظر إلى سقوط أوربان كـ«نقطة تحول» ستؤدي إلى تقوية وحدة الاتحاد الأوروبي، وزيادة الضغط على روسيا، وإضعاف الحركات اليمينية القومية التي كانت ترى في أوربان نموذجاً ملهماً لها. الشعوب اكتشفت أن اليمين المتطرف «يجيد الصراخ ولكنه يفشل في الإدارة». في المجر، كان التضخم والعزلة عن أوروبا هما الوجع الحقيقي الذي لم تعالجه الخطابات القومية.
تأثير الردع: لماذا زهدت الشعوب في وعود التطرف؟
بالإضافة إلى خسارة فيكتور أوربان المدوية بالأمس، شهد العام الماضي وبداية العام الحالي 2026 سلسلة من الانكسارات لتيارات اليمين المتطرف والمحافظين المتشددين في عدة دول، مما يشير إلى تحول في المزاج العام تجاه اليمين المتطرف:
* كوريا الجنوبية (2025): شهدت البلاد زلزالاً سياسياً بخسارة مرشح «حزب قوة الشعب» اليميني، كيم مون سو، في الانتخابات الرئاسية أمام مرشح الحزب الديمقراطي الليبرالي لي جاي ميونغ. جاءت هذه الخسارة بعد فترة من الاضطراب السياسي ومحاولة فرض الأحكام العرفية من قبل الإدارة اليمينية السابقة.
- رومانيا (مايو 2025): فاز الوسطي المؤيد لأوروبا نيكوسور دان بالرئاسة، متغلباً على القومي المتشدد كالين جيورجيسكو. كانت هذه النتيجة حاسمة بعد أن تم إلغاء انتخابات سابقة بسبب اتهامات بحدوث انتهاكات وتدخلات خارجية لدعم اليمين.
* البرتغال (فبراير 2026): رغم التوقعات بصعود قوي لليمين المتطرف (حزب شيغا - Chega)، نجح الناخبون في انتخاب رئيس اشتراكي (أنطونيو خوسيه سيغورو) لقطع الطريق على اليمين المتطرف من الوصول إلى السلطة التنفيذية.
- فرنسا (مارس 2026): في الانتخابات المحلية الأخيرة، فشل «حزب التجمع الوطني» (RN) اليميني المتطرف في تحقيق المكاسب التي كان يطمح إليها في المدن الكبرى مثل مرسيليا، بينما استعادت القوى الوسطية واليسارية السيطرة على باريس وليون.
* سلوفينيا (مارس 2026): حقق رئيس الوزراء الوسطي روبرت غولوب فوزاً صعباً في مواجهة منافسه اليميني يانيز يانشا، مما حافظ على توجه البلاد الليبرالي بعيداً عن النهج القومي المتشدد.
هذه النتائج تعكس حالة من «رد الفعل العكسي» لا ضد السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تبنتها التيارات اليمينية المتطرفة في السنوات الأخيرة فقط، بل بسبب ما رأوه من أفعال زعيمين من أبرز الزعماء اليمينيين المتطرفين في العالم (ترامب - نتنياهو) وكيف قادا بلديهما الى حالة من الانقسام الداخلي الشديد «. كما أن النموذج الصدامي» الذي يتبعه الاثنان خلق حالة من «الإنهاك القومي» لدى شعوبهم. فالشعوب لا تستطيع العيش في حالة «استنفار وحرب» للأبد، وهذا ما أدى إلى ارتداد الناخبين نحو الوسط. وأدت سياستهما الخارجية الى توترات إقليمية حادة وانعكاسات اقتصادية واسعة في كثير من البلدان، ويكادان أن يتسببا في اشعال حرب عالمية ثالثة.
«نموذج ترامب» والفوضى التي ارتبطت بسياساته كانت المحرك الرئيسي للتراجع الكبير لليمين المتطرف في عدة دول.
تأثير الردع:
الخوف من الفوضى المؤسسية: أدت الأحداث الدرامية التي شهدتها الولايات المتحدة، وصولاً إلى محاولات تقويض العملية الديمقراطية، إلى خلق «صدمة» لدى الناخب الأوروبي والآسيوي. فبدلاً من رؤية اليمين المتطرف كقوة تغيير، بدأ الناخبون ينظرون إليه كتهديد لاستقرار الدولة هذا الخوف ظهر بوضوح في انتخابات المجر وبولندا، حيث اختار الناخبون العودة إلى «الوسط» لتجنب العزلة الدولية والفوضى القانونية.
الانكشاف «الجيوسياسي»: الارتباط بموسكو: تجاوز ترامب للخطوط الحمراء في ملف حلف الناتو وعلاقته بالرئيس بوتين جعل الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا (التي كانت تعتبره ملهماً لها) في موقف محرج جداً. بعد الغزو الروسي لأوكرانيا واستمرار التوترات في 2025 و2026، أصبح أي مرشح يميني يتبنى خطاباً «ترامبياً» يُتهم فوراً بأنه «أداة في يد الكرملين» هذا هو السلاح الذي استخدمه دونالد توسك ببراعة لإسقاط نفوذ اليمين في بولندا والمجر.
فشل «الوعود الاقتصادية» القومية: أثبتت التجربة في دول مثل المجر (تحت حكم أوربان) أن السياسات الحمائية والصدام مع المؤسسات الدولية (مثل الاتحاد الأوروبي) أدت إلى تضخم قياسي وعزلة اقتصادية. الناخب في 2025 و2026 بدأ يعطي الأولوية للكفاءة والتعاون الدولي على الحماس القومي المتطرف.
استعادة «الوسط» لزمام المبادرة: استفاد القادة الليبراليون والوسطيون (مثل بيتر ماجيار في المجر ورافائيل ترزاسكوفسكي في بولندا) من «دروس ترامب». فبدلاً من الخطاب التقليدي الممل، تبنوا لغة قوية ومباشرة لمواجهة اليمين بنفس سلاحه (التواصل الشعبي)، ولكن مع الالتزام بالقيم الديمقراطية.
العالم في 2026 يمر بمرحلة «تصحيح مسار» كبرى. الفوضى التي خلقها ترامب لم تكن مجرد أحداث عابرة، بل كانت «لقاحاً سياسياً واقتصادياً» نبه الشعوب إلى أن التطرف لا يبني مصانع ولا يستقر معه سعر صرف.
سقوط أحجار الدومينو اليمينية يمثل ضربة لاستراتيجية بوتين في التفتيت، ولكنه يمثل أيضاً «طوق نجاة» لاقتصادات ناشئة أُنهكت في صراع الكبار.
ما بعد الصدمة: كيف يستفيد رغيف الخبز العربي من هدوء الغرب؟
لا يقف المواطن العربي متفرجاً على صناديق الاقتراع في بودابست أو واشنطن من قبيل الرفاهية الثقافية؛ فصعود اليمين المتطرف لم يكن مجرد «ظاهرة سياسية»، بل كان زلزالاً اقتصادياً دفعنا ثمنه في الأسواق الناشئة. وانحسار هذه الموجة الآن يحمل أبعاداً حاسمة:
* تفكيك «الحمائية» وكبح التضخم المستورد: تبنى اليمين المتطرف شعارات انعزالية وحروباً جمركية أدت لرفع تكلفة الشحن والسلع الأساسية عالمياً. بالنسبة للدول العربية المستوردة، يعني انحسار هذا التيار العودة إلى «تجارة عالمية أكثر سلاسة»، مما يسهم في خفض تكلفة فاتورة الاستيراد التي أرهقت الموازنات العربية وأدت لغلاء المعيشة.
* استقرار «الأموال الساخنة» وأزمة الديون: السياسات النقدية المتشددة المرتبطة بنهج اليمين في أمريكا أدت لنزوح رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة (كـ مصر والأردن والمغرب) نحو الغرب، مما فاقم أزمات العملة والديون. العودة إلى «عقلانية الوسط» تعني سياسات نقدية عالمية أكثر توازناً، تمنح اقتصاداتنا العربية فرصة لالتقاط الأنفاس بعيداً عن تقلبات الفائدة العنيفة.
* تحرير الاستثمارات السيادية: كانت الصناديق السيادية العربية تواجه أحياناً «فيتو» سياسي أو تشريعات شعبوية مقيدة من قبل التيارات اليمينية المتطرفة تحت دعاوى «الأمن القومي». انحسار هذا التيار يمنح الاستثمارات العربية أماناً أكبر في الأسواق الغربية ويعزز الشراكات الاستراتيجية بعيداً عن الابتزاز السياسي.
* توطين التكنولوجيا والتحول الأخضر: عطل اليمين المتطرف لسنوات ملفات المناخ والتعاون التقني الدولي. اليوم، مع عودة المجر لقلب أوروبا وصعود الوسط في دول أخرى، سيُعاد تفعيل برامج «نقل التكنولوجيا» والتمويل الأخضر، وهو ما تحتاجه المنطقة العربية بشدة لمواجهة أزمات المياه والطاقة والتحول الرقمي.
المصارف والسيادة النقدية: العودة لليورو وموجة الأمان الائتماني
أن تمدد اليمين المتطرف في الاتحاد الأوروبي سيجعل هناك تحدى وجودي قد ترتفع معه نسب مخاطر منح الائتمان للقطاعات التي لها تعاملات تجارية وصناعية بالاتحاد الأوروبي وطلبنا ضرورة مراجعة الضمانات المقدمة من هذه القطاعات وكذا مراجعة حجم التسهيلات الائتمانية الممنوحة والعمل على تدعيم الضمانات وتخفيض التسهيلات وهو ما كان له تأثيراته السلبية على نسب نمو التعاملات المصرفية مع الاتحاد الأوروبي والقطاعات التي تتعامل معه بمصارفنا العربية.
كما بدأت البنوك في التحوط وزيادة نسبة المخصصات العامة على التسهيلات الائتمانية المقدمة للشركات التي لها تعاملات كبيرة مع الاتحاد الأوروبي لدعم المراكز المالية للبنوك العربية. وكذلك كانت البنوك التي تمتلك ودائع باليورو وكذا قروض وتسهيلات ائتمانية ممنوحة باليورو تتحوط وتقوم بزيادة حجم مخصصات فروق تقييم العملات الاجنبية درءا للمخاطر. وهو ما أثر سلبا على معدلات نمو اجمالى ارباح البنوك. وانحسار المخاطر الائتمانية الان مع انحسار حركة اليمين المتطرف ستضفى اريحية في تعاملات البنوك مع القطاعات التي تتعامل مع الاتحاد الأوروبي. وهو ما سيعود ايجابا على مراكزها المالية وإجمالي أرباحها.
- البنوك المركزية وتغيير في الاستراتيجية:
ولم يتوقف الأمر عند حدود الائتمان والمخصصات، بل امتد ليزلزل ثقة البنوك المركزية العالمية في «اليورو» كعملة احتياطي استراتيجي. ففي ظل تصاعد التصريحات المتطرفة التي كانت تلوح بتفكيك الاتحاد الأوروبي أو الخروج من منطقة اليورو، بدأت العديد من المصارف المركزية في نهج «تنويع المخاطر» عبر خفض نسبة الاعتماد على اليورو في سلال احتياطياتها الدولية من العملات الأجنبية. والآن، مع انحسار هذه الموجة المتطرفة واستعادة «الهوية الأوروبية الموحدة» لزخمها، تفتح الأحداث الجارية الباب مجدداً أمام صانعي السياسة النقدية لإعادة تقييم مراكزهم، وزيادة حصة اليورو ضمن سلة الاحتياطيات، مما يعزز من استقرار قيمة الأصول السيادية العربية ويحميها من الهزات العنيفة التي ميزت «الحقبة الترامبية اليمينية».
العالم في 2026 لا يتحرك في خطوط مستقيمة، وما نشهده اليوم قد لا يكون نهاية لليمين المتطرف بقدر ما هو مرحلة إعادة تموضع.
لكن المؤكد أن لحظات «الهدوء النسبي» في النظام الدولي نادرة، وغالبًا ما تكون الفرصة الذهبية للدول التي تجيد التقاطها.
السؤال لم يعد: ماذا يحدث في أوروبا؟
بل: هل تملك العواصم العربية القدرة على تحويل هذا التحول إلى مكاسب حقيقية… قبل أن تتغير الرياح مرة أخرى؟
** **
- خبير مصرفي واقتصادي