د. سامي بن عبدالله الدبيخي
في زمن لا صوت فيه يعلو فوق صوت التكنولوجيات الرقمية، ما زالت «الأمثال الشعبية» تُحكى في المجالس وتُروى للأبناء قبل النوم وتُستذكر عند الشدائد.
فهي ليست مجرد كلمات بمحسنات لفظية من السجع، بل عصارة ثقافة مجتمع وسِجِل ينقل خبرات آلاف السنين وتتراكم فيه عبقرية الأجيال كأنها «حكم متوارثة» من الأجداد إلى الآباء فالأحفاد: اختزال في كلمات مختصرة لتجارب و دروس ثرية متراكمة عبر الأجيال.
بدأ اهتمامي بالأمثال الشعبية في شبه الجزيرة العربية يتنامى ليتحول إلى شغف حقيقي من مخالطتي لمجالس كبار العائلة من الآباء والأجداد. واستمر هذا الشغف لقراءاتي في كتب الأمثال الإنجليزية ثم أمثال شعب الماوري في نيوزيلندا. هناك اكتشفت كيف أن أمثال الشعوب تحمل نفس الروح، حكمة عملية، ودرس في الصبر، ودرس في احترام الطبيعة والأرض.
لكن شيئاً في نفسي كان يدفعني دائماً نحو الجزيرة العربية وأمثالنا التي تروي معاناة مجتمعاتنا مع حياة البيئة الصحراوية وتلالها وجبالها وبواديها.
وتعاظم هذا الشغف حينما تابعت لقاء للأستاذ عبدالكريم بن جهيمان، الرجل الذي جمع أكثر من عشرة آلاف مثل شعبي من أرجاء الجزيرة العربية. كان كل مثل يستله من دفاتره القديمة يأتي مصحوباً بقصة.
متى قيل وفي أي مناسبة وبأي لهجة، ثم يذكر بأن هذا المثل يعود إلى زمن الأجداد وما زال يصلح لزماننا. خرجت من متابعة اللقاء وفي جعبتي كنوز لا تُقدَّر بثمن، ووعي جديد بأن هذه الأمثال ليست مجرد تراث، بل تراكم للمعرفة الشعبية التي نجت من عواصف عصر الحداثة والرقمنة.
ثم جاء دور الشيخ صالح بن إبراهيم العثمان الدبيخي، أحد أبناء العمومة، الذي استجاب مشكوراً لطلبي بجمع أكثر من 150 مثلاً شعبياً مستمداً من أفواه الشيوخ والجدات.
لم تكن هذه الأمثال من كتب، بل من الحياة اليومية لتعبر عن الكرم الذي يبني المجد، والصبر الذي يفتح أبواب الغيب، والفطنة التي تنقذ في الشدائد، وعن الفروسية للشجاعة والمنعة في الحرب وللشرف والعزة في السلم، وعن حكمة الصحراء التي تعلم الإنسان كيف يعيش بتوازن مع الطبيعة القاسية.
أضاف هذا الرصد الميداني الذي قام به الشيخ صالح بعداً حياً لقراءاتي، فأصبحت الأمثال ليست مجرد نصوص، بل أصواتاً حيَّة تتنفس.
إن الأمثال الشعبية هي الذاكرة الجماعية للشعب، وهي التي علمتني أن الحكمة لا تحتاج إلى جامعات، وأن العبقرية الشعبية أعمق في كثير من الأحيان من الكتب، وأن هذا الاهتمام المتزايد ليس هواية شخصية فحسب، بل واجباً وطنياً أن نحفظ هذا التراث قبل أن يضيع في زحمة الحياة الحديثة.
في كل مثل يُجمع، يُخزن درس للمستقبل. وفي كل مجلس يُحكى، هناك حبل جديد يوصل جيلاً جديداً بحكمة الأجداد وعبقرية الأولين.
هكذا تظل الحكمة الشعبية حية، تتناقلها الأجيال، وتُروى في المجالس، وتُكتب في المقالات، لأنها في النهاية، روح الشعب نفسه وعصارة حكمة أجياله.
ومن هنا فإن الاحتفاء بهذه الأمثال هو احتفاءٌ بالهوية في وجه التنميط العالمي. هي رسالة لكل جيل بأن بين يديه إرثاً لا يقدر بثمن، فالمثل الذي نردده اليوم هو «شيفرة» جينية ثقافية، انتقلت عبر آلاف السنين لترينا كيف تعامل أجدادنا مع نوائب الحياة ولتعلمنا كيف نعيش بكرامة وحكمة. فهل من مستمعٍ لصوت الأجداد؟