عبدالعزيز صالح الصالح
ما أحوج المرء أن يعرف الكثير والكثير عن دور هذا المقر الدبلوماسي الهام، سواء في العصر الجاهلي أو العصر الحالي، وما يقوم به من أعمال جسام وأدوار مهمَّة، وذلك لعدم معرفة بعض البشر عن أهمِّيَّة هذا المقر الحيوي في صياغة بعض القرارات الدبلوماسية الحاسمة والأعمال المهمَّة، إلى مصالحها الوطنية، ودعم قوَّة أفراد الأمَّة.
فقد أخذ هذا المقر المصغر على مدار السنوات الماضية يتطور رويداً رويداً عبر أطوار التاريخ، حتى وصل إلى درجة التفوق والتميز من حيث منتهى التقدم والرقي والنضج، حسب مفهوم العصر الحالي.
فقد أصبحت السيرة الدبلوماسية تستند على وثائق ثابتة وقوية، فضلا عن الروايات المتواترة التي لا يرقى إليها الشك، والتي خضعت لتمحيص قاس وتقييم على درجة عالية من الانصاف والدقة، فقد استطاع العرب منذ فجر التاريخ أن يبنوا علاقات بين الأمم المتعدِّدة مبنية على روابط تتحلَّى بالاحترام والتقدير والمصالح المتنوِّعة.
فالسفير الدبلوماسي عند العرب قاطبة يعتبر الرسول والمصلح بين كافة القوم، وقد كان العرب في العهد الجاهلي إذا دب خلاف أو شقاق أو خصام حاد بين مكون ومكون آخر يبعثون لهم سفيراً دبلوماسياً عنهم، بما يتصف بالشجاعة والحكمة والروية وسعة الصدر، وإذا أراد القوم إلى المنافرة أو المفاخرة جعلوا من بينهم سفيراً إلى العشيرة الأخرى حتى يتمكن من توضيح ما يستقر عليه الأمر، فإن روابط العلاقات الاجتماعيَّة والاقتصادية القوية جلية ومؤثرة بين كافة شعوب الأرض قاطبة، ومبنيِّة على أسس من الإطار الأخلاقيِّ والإنسانيِّ.
ولقد قدم ديننا الإسلامي العظيم إطاراً متكاملاً لتحقيق العدالة والمساواة بين أفراد الأمَّة، إلاَّ أن الأساس المعنوي الإنسانيِّ يعني الميزة الكبرى التي انفرد بها هذا الدين والأساس المعنوي يقوم على مخاطبة المرء من داخله وليس مجرد قيادته من ظاهره وتحريك ضميره بدل سوقه بالقوة القاهرة، واستجاشة مشاعر الفطرة النبيلة بدلا من تحويل الحياة إلى صراع كئيب.
فقد كان الخليفة الثَّاني - عمر بن الخطَّاب رضى الله عنه يعتبر أحد سفراء قريش في العهد الجاهلي وقد كانوا يبعثونه سفيراً إذا وقعت بينهم وبين غيرهم حرب، أو نافرهم منافر، أو فاخرهم مفاخر، بعثوه منافراً أو مفاخراً ورضوا به.
فقد مارس العرب في تلك الحقبة الزمنية السلطة في شكلها البدائي في مكَّة المكرَّمة فقد كان شيخ العشيرة – بمثابة رئيس الدولة الذي يدير، شؤونها المالية والقضائية والحربية والسِّياسيَّة وقد عرف العرب نظام السفارة مع غيرهم من العشائر والأمم والشعوب المجاورة، واستخدموه في تنظيم علاقاتهم فيما بينهم ومع غيرهم حتى اصبحت وسيلة لتبادل المنافع والمصالح قديماً سواء مع دولة اليونان، أو دولة الرومان، أو غيرهما من الدول، بل تتعداها إلى كل الشعوب والدول المؤمنة بالله والمؤمنة بمبادئ الحق والعدل، والكل يقول – نريد عالماً تسوده الحرية ويسوده الإسلام ويسوده العدل وتسوده المحبَّة .
ومن سفارات العرب قديماً قبل الإسلام: سفارة عبدالمطلب بن هاشم، والسِّفير العلاء بن الحضرمي في البحرين.
والسِّفير عمرو بن العاص في عُمان.
والسِّفير سليط بن عمرو العامري في اليمامة.
والسِّفير شجاع بن وهب في الشام.
والسِّفير حاطب بن أبي بلتعة في مصر.
والسِّفير دحية الكلبي في الروم.
والسِّفير عبدالله بن حذافه في فارس.
والسِّفير عمرو بن أمية الضمري في الحبشة.
فهناك تعاون اقتصادياً وثقافياً يؤكد عمق التعاون الدولي والصلات الوثيقة بين الشام والروم قبل الإسلام، ولم تقتصر علاقات العرب على جيرانهم فقط، بل امتدَّت إلى الهند والحبشة.
فهذه بعض الأمثلة المبنية لدور السفارة في ربط اواصر التعاون ودعم العلاقات الدولية مع غيرهم من الدول والشعوب المجاورة.
وخلاصة ما ذكر آنفا عن دور السفارة من قبل الإسلام وبعده فهي تعتبر وسيلة صلح بين البشر، وتنظيم علاقات مع الآخرين، وتبادل منافع، وتوسيع حركة التجارة، وكسب الأنصار وعقد التحالفات العسكرية، وإبرام الاتفاقيات وتنشيط العلاقات الدولية والعشائرية في كافة مناحي الحياة.
والله الموفِّقُ والمعين.