عماد الصاعدي
في قدِيم زمن الآباء والأجداد، كانت مجالس الرجال ذات هيبة راسخة، ومكانة عظيمة في النفوس، وموطنًا لنماء الشخصية، ومِيدانًا لاكتساب المعرفة من خلال مجالسة أهل الفكر والعلم والرأي السديد إلى غيره من الحوارات والنقاشات التي لم تخلُ منها القصة الشعبية بمفهومها المجتمعي.
ما يدعو للفخر والاعتزاز، أن هذه المجالس كان لها وقعها من التأثير في صناعة الأجيال، وأظهرت رجالًا في التحمل والصبر وتجاوز التحديات، وحرصًا على الالتزام بالعادات والتقاليد في زمن كان متنفسُه الوحيد متابعة أخبار الإذاعة وبرامج التلفزيون حتى أصبحت المرجع الأول لتبادل الأفكار والخبرات والإبداع.
ومع تعاقب الأجيال، برز فارقٌ جوهريٌ في طبيعة الاهتمام والاحتياج والامتداد لتطور المجالس الرقمية من حيث تسارع نمط الحياة وسهولة الوصول إلى المعلومة، أدى ذلك إلى تراجع الحضور التقليدي في تلك المجالس، مقابل اتساع المشاركة عبر المنصات، وعلى الأرجح لم تفقد قيمتها من التلاشي متى ما كانت على أصول من التربية.
إن المتغير من واقع هذه المجالس لم يُلغِ أثرها، لكنه أضعف من حضورها الاجتماعي المباشر في نقل الحكمة، والألفة، والتكافل ولم تنطوِ على تباين الآراء؛ وانعقدت بشكل دوري بين المواسم على قدرٍ من الأهمية.
إن تراجع هيبة المجالس التقليدية لم يكن اختيارًا بل هو تحول في الترف التقني وأمر حتمي لمرحلة انتقالية فرضته متطلبات العصر الجديد لبدائل جديدة، كالمجالس الرقمية، وقروبات التواصل، وديوانيات العمل، التي وسّعت دائرة المشاركة، وسهّلت الدعوات، وقرّبت المسافات، وجعلت النقاش متاحًا لمختلف الفئات.
ختامًا، تبقى المجالس لها نكهتُها الخاصة التي لا تُستبدل، فهي ماضٍ قديم لم يندثر، وحاضرٌ زاخر من الذكريات، ومِنبرٌ للعِلم الطيب، وملاذٌ دافئ ٌ يجمع الأحبة على الكلمة الطيبة، والحكمة التي تقول «من حق الجلِيس أن يقول رأيه.. ومن حق الآخرين مناقشته».