عبد العزيز الهدلق
ثلاث مباريات خاضها فريق الفيحاء من بين (28) مباراة في دوري روشن كانت كافية لكشف كثير من أسرار اتجاهات الدوري ومسار البطولة. اثنتان منها كانتا أمام النصر ذهاباً وإياباً، والثالثة أمام الأهلي في المجمعة.
وصاحب هذه المباريات الثلاث لغط كبير، وضجة عالية بسبب الأخطاء التحكيمية الفادحة التي شهدتها! وتجاوزت أصداء تلك الأخطاء حدود الإعلام المحلي إلى الصحافة والإعلام العالمي الذي علَّق عليها بكثير من الانتقاد للدوري السعودي، وبعضها بالسخرية! وقليل منها بالغمز واللمز عن اتجاه المنافسة. والطرف الثابت في كل تلك الأحداث خلاف الفيحاء هو الحكم المحلي!
فالجميع يتذكَّر ضربة الجزاء الخيالية التي احتسبها الحكم محمد الهويش للنصر أمام الفيحاء بتوصية من حكم الفيديو المساعد ماجد الشمراني رغم عدم وجود خطأ من الأساس ضد مدافع الفيحاء الذي احتسبت عليه ضربة الجزاء! ووجود خطأ ضد رونالدو سبق اشتراك مدافع الفيحاء مع لاعب النصر العمري! مما يسقط أي حجة باجتهاد أو رأي مختلف، أو سوء تقدير. وفاز حينها النصر وطار بالثلاث النقاط! وفي مباراة النصر والفيحاء في القسم الثاني من الدوري كان الفيحاء متقدماً في الشوط الأول بهدف دون مقابل، واحتسب الحكم (7) دقائق كوقت بدل ضائع، وانتهت دون أن ينهي الحكم الشوط، ليمدد الوقت إلى أن سجل النصر هدفين أنهى بهما الشوط! وهذا الحكم هو نفسه الذي احتسب للنصر ضربة جزاء أمام نيوم اعترفت لجنة الحكام بعدم صحتها! وهو نفس الحكم الذي استدعى حكم مباراة الأهلي والفيحاء محمد إسماعيل مطالباً إياه بعدم احتساب ضربة جزاء «صحيحة» للأهلي، كان الحكم قد احتسبها ثم تراجع عن قراره بعد تلك التوصية! وفي تلك المباراة تحصَّل الأهلي على ثلاث ضربات جزاء صحيحة لم يحتسب الحكم أو مساعده بالفيديو عبدالله الشهري أياً منها!
ومعلوم أن هناك جدلاً حاداً وواسعاً بين الأندية والجماهير والإعلام الرياضي بشأن التحكيم ما بين مؤيِّد للمحلي، وآخر يفضِّل الأجنبي. والطرف الذي يفضِّل الحكم الأجنبي هو الذي يريد أن يبتعد عن القيل والقال، كما أن الطرف الذي يؤيِّد الحكم المحلي له وجهة نظر تُحترم.
ولكن لجنة الحكام وضعت نفسها طرفاً ثالثاً، بدلاً من أن تنأى بنفسها عن الجدل والتناوش بين الطرفين. وتكون طرفاً محايداً. فهي لم تساعد على نجاح تجربة الحكم الأجنبي رغم المبالغ الكبيرة التي تفرضها على الأندية التي تطلبه، وذلك بتعدد وتكرار استدعاء حكام أجانب دون المستوى المطلوب! رغم أن لجان الحكام السابقة كانت تستقدم أفضل حكام العالم وممن أداروا نهائيات كأس العالم وأوروبا. بنصف التكاليف المالية التي تُدفع اليوم على حكام مغمورين جداً! وهذه الاختيارات للنوعيات غير الجيدة أفرزت غضباً من الأطراف المؤيِّدة للحكم الأجنبي مطالبة برفع مستوى نوعية الحكام الذين تدفع من أجلهم مبالغ فلكية! كما أن هذه الاختيارات جعلت المؤيِّدين للحكم المحلي يعزِّزون مواقفهم بالقول إن الحكم الأجنبي لا يفرق عن المحلي، فهو يخطئ أيضاً فلماذا ندفع ونخسر أموالاً! ويرد على هذا الطرح مؤيِّدو الحكم الأجنبي بأن أخطاءه على الطرفين، فيما المحلي تكون أخطاؤه في اتجاه واحد! وهذا نتاج الضغط الذي يمارس عليه. فطبيعي أنه كإنسان يتأثر.
وعلى جانب الحكم المحلي فإن الملاحظ أنه لم يتطور بالشكل الصحيح، وأن لجنة الحكام سبب مباشر في ذلك. فالملاحظ أن الحكم الذي يرتكب خطأ فادحاً أو عدة أخطاء كارثية في مباراة يكلّف في الجولة التي تليها وكأن شيئاً لم يكن! ويلاحظ أيضاً أن الحكم الذي يرتكب خطأ أو عدة أخطاء كارثية، يكلّف مرة أخرى، وثانية وثالثة ورابعة وخامسة لنفس الفريق الذي استفاد من الخطأ الأول وفي كل مرة يتكرر نفس السيناريو من الأخطاء!
نحن لا نستطيع تكميم الأفواه عن نقد مستوى الحكام، ولا منع الإعلام العالمي من التطرق لمثل تلك الأخطاء! فرفضنا لها لا يعني أنها لا تطرح وتتداول وتجد من يصدقها ويؤمن بها. ونحن نعلم أن هناك إعلاماً أجنبياً يغيظه تطورنا الرياضي، ولا يرحب بمشروعنا الرياضي الطموح، ويتربص بنا، فلماذا نمنحه الفرصة ليشوِّه جمال تنافسنا؟!
إن إصرار لجنة الحكام على تكليف حكم تكررت أخطاؤه لفريق معين بأن يدير لهذا الفريق عدة مباريات وكأنه لا يوجد في هذا البلد إلا هذا الولد أمر محير! ويثير علامات استفهام وتساؤلات كبيرة! ويضع اللجنة في حرج كبير! ويفتح باباً واسعاً للتأويلات والتفسيرات. واللجنة في غنى عنها! ولكن إصرار اللجنة على هذه السياسة في تكليف الحكام هو الذي يجلب لها المتاعب. وهو الذي يجعل المتابعين للدوري ينظرون له نظرة لا تعجبنا.
لقد مارس اتحاد الكرة عن طريق لجنة الانضباط ضغطاً على مدربي الأندية ورؤسائها، وكثير من اللاعبين بالعقوبات المالية لقاء تصريحاتهم ضد التحكيم! وفضَّل كثير منهم التزام الصمت بعد ذلك! ولكن ذلك لا يعني أن مشكلة التحكيم قد انحلت! أو أنه لا يوجد مشكلة من الأساس! فالصمت جاء خشية العقوبة فقط! وإلا فالتحكيم المحلي يعيش أزمة حقيقية. صنعها الحكم نفسه، وصنعتها لجنة الحكام أيضاً. فتكرار تكليف حكام معينين لفرق معينة رغم الأخطاء التي تستفيد منها تلك الفرق هو ما يثير الكلام المزعج الذي لا يرغب أحد بسماعه، وهو الذي يفتح باب التفسيرات والتأويلات على مصراعيه وبلا حدود!
لماذا وصلنا إلى مرحلة يكتب فيها لاعب أجنبي في حسابه الرسمي على التواصل الاجتماعي (لاعب الأهلي جالينو) نصاً مؤلماً عندما يقول: يريدون إقصاءنا من الدوري بأي وسيلة ممكنة، ويريدون منح الكأس لشخص واحد!
لماذا وصل هذا اللاعب لهذا الشعور، وهذه الحالة؟! وهو ليس الوحيد الذي تحدث بمثل ذلك. لماذا جعلنا اللاعبين الأجانب في دورينا يتهمون الدوري بأنه موجه؟!
هنا أتوجه للأستاذ ياسر المسحل رئيس مجلس إدارة الاتحاد السعودي لكرة القدم وأسأله: هل يرضيك ما يُقال عن دورينا من قبل لاعبين أجانب يشاركون في دورينا ويعيشون في معمعته؟! على اعتبار أننا نرفض ما تقوله الصحافة العالمية الحاقدة! رغم أنها تقول ما يقوله نفس اللاعبين!
لقد تناقلت صحف العالم ما قاله لاعب الأهلي إيفان توني بأن الحكم قال لهم ركِّزوا على البطولة الآسيوية! وذلك عندما كانوا يطالبونه بحقوقهم القانونية في المباراة أمام الفيحاء! في إشارة يفهم منها أن لا مجال لكم في المنافسة على بطولة الدوري! فهل هذا يرضيك يا سعادة رئيس مجلس إدارة الاتحاد؟! وهل تقبل بذلك؟
لا أجد تفسيراً لمستوى التحكيم المحلي والصمت بشأنه وحالة الازدهار والتطور الرياضي الذي تعيشه المملكة بدعم سخي ومباشر من سمو ولي العهد -حفظه الله- لماذا كل شيء تطور عدا التحكيم المحلي؟!
لقد تجاوزت أخطاء التحكيم التأثير على نتائج المباريات إلى التأثير على مسار البطولات. حتى ولو كان ذلك عن غير قصد. وهذا واقع مؤلم لكل محب لرياضة الوطن.
نحن لا نتحدث عن أخطاء مقصودة أو متعمدة! إطلاقاً، بل نتحدث عن أخطاء تتكرر نتيجة سوء تأهيل الحكام! وأخطاء لا تعالج! ولا يوضع لها الحلول، وكأن المسؤول لا يرى ما يحدث!
لماذا المسؤول في اتحاد الكرة وفي لجنة الحكام لا يتحرك أمام هذه الأخطاء الكوارثية؟! هل هو لا يراها كما يراها الآخرون؟! أم هو غير مكترث، أم هو عاجز عن إيجاد الحل والعلاج؟!
إن أكبر تحد يواجهه رئيس اتحاد الكرة اليوم كونه المسؤول الأول عن لعبة كرة القدم هو حماية سمعة كرة القدم السعودية، فإذا لم يكن هذا الشعور موجود لدى كل المتنافسين ففي عمله خلل كبير ولا شك.
زوايا
* لا يمكن قبول ما يُطرح بأن بطولة الدوري موجهة ومسيَّرة! فهذا طرح مرفوض جملةً وتفصيلاً. ولكن على اتحاد الكرة أن يبحث عن الأسباب التي دعت لظهور مثل هذه الأقوال والادعاءات.
* أخطاء الحكام لا ترقى لأن تكون سبباً للاعتقاد بأن بطولة الدوري موجهة! ولكن تكرار تلك الأخطاء جعل الانتهازيين يتبنون مثل هذا الطرح. فلماذا سمح اتحاد الكرة ولجنة الحكام بتكرار الأخطاء دون تدخل أو محاسبة.
* مباراة الأهلي والفيحاء ليست سوى القشة التي قصمت ظهر البعير.
فالأخطاء التحكيمية كانت منذ بداية الدوري، ومن البداية كانت النفوس مشحونة بسبب تلك الأخطاء! وما حدث في مباراة الأهلي كان انفجاراً للضغط الذي عاشه الأهلي وعاشته الفرق الأخرى طوال (28) جولة من الأخطاء التحكيمية المتكررة التي لم تجد من يوقفها، أو يعالجها، أو يحد منها!
* تقنية الفيديو المساعد التي أقرها «الفيفا» يفترض أن تكون عاملاً مساعداً ومرشداً ومعيناً للحكم على اتخاذ القرارات الصحيحة، وتصحيح قراراته الخاطئة. ولكن هذه التقنية تحولت إلى عامل فشل للحكم بسبب عدم كفاءة من يعمل بها.
* ماذا لو استعرض اتحاد الكرة مع لجنة محايدة من خبراء تحكيم (أجانب) أخطاء الحكام طوال الدوري، وقيمها، وتعرف على اتجاهات هذه الأخطاء، وحدد المستفيد المتكرر منها، وكذلك المتضرر المتكرر. فهذا جزء مهم من تحليل الوضع الراهن للتحكيم، يقود إلى الوصول لحقيقة وأصل المشكلة ومنبعها، مما يسهل الوصول إلى الحلول.
* ما نراه على ساحة كرة القدم السعودية من نجاح منقطع النظير للأندية في رفع مستوى الكرة والتنافسية، مقابل فشل ذريع للجهة المنظمة والمشرفة على اللعبة وهي اتحاد الكرة ورابطة دوري المحترفين، فهناك أزمة تحكيم واضحة، وأزمة إدارة المسابقات تمثَّلت في جدول الدوري، وتنظيم كأس السوبر التي أقيل بسببها الأمين العام السابق، وكذلك أزمة يعيشها المنتخب الوطني! فكل المسؤوليات والمهام التي يتولاها اتحاد الكرة والرابطة تعيش فشلاً ذريعاً!
* كيف انتهت حادثة المقطع المرئي الذي انتشر على نطاق واسع وظهر فيه حكم الفيديو المساعد متحدثاً مع أحد لاعبي النصر على انفراد في الممر الداخلي للملعب بعد نهاية المباراة دون أي إجراء أو تعليق من لجنة الحكام أو اتحاد الكرة؟! وخصوصاً أن ذلك اللاعب كان يستحق الطرد في المباراة لكنه لم يطرد!
* لماذا حظي موقف النادي الأهلي بعد ما تعرض للظلم في مباراته أمام الفيحاء بتعاطف ومساندة من معظم جماهير الكرة في المملكة بمن فيهم جماهير أندية منافسة وقريبة في الترتيب من الأهلي؟! لأنهم كلهم شربوا من نفس الكأس، وتعرضوا لما تعرض له الأهلي، ويعرفون مقدار الألم الذي يسبّبه الظلم التحكيمي. ولأنهم مثل الأهلي ينشدون العدالة، ونزاهة المنافسة، ويرفضون أخطاء التحكيم المتكررة.
* من محاسن تواجد اللاعبين العالميين في دورينا تسابق القنوات الرياضية العالمية على تسليط الضوء على دوري روشن ومتابعة النجوم العالميين، ولكن من مساوئ هذا الاهتمام أنه أظهر أسوأ ما في دورينا للعالم وهو التحكيم. فقد أصبحت قنوات العالم تتندر على تحكيمنا، وتسيء لمنافساتنا بسبب التحكيم الضعيف!