سعدون مطلق السوارج
لم يعد بالإمكان التعاطي مع السلوك الإيراني بوصفه مجرد مناورة سياسية أو ردود فعل ظرفية، بل أصبح نهجًا مكشوفًا يقوم على استثمار الفوضى وتغذيتها كأداة نفوذ. فبين هدنةٍ يُفترض أن تُخفف التصعيد، ووساطةٍ دولية احتضنتها إسلام آباد، انكشفت الحقيقة الصلبة: إيران لا تُفاوض لتصل، بل تُفاوض لتُراوغ، ولا تسعى للتهدئة، بل تُدير التصعيد بوعيٍ محسوب.
فشل وساطة إسلام آباد لم يكن حدثًا عابرًا، بل محطة كاشفة لسقف التعنت الإيراني. إذ لم تُبدِ طهران أي التزامٍ حقيقي تجاه القضايا الجوهرية، سواء ما يتعلق ببرنامجها النووي، أو أمن الممرات البحرية، أو استقرار الإقليم. بل على العكس، جاءت مواقفها خالية من التعهدات، ما دفع الوفد الأمريكي إلى مغادرة المفاوضات، في دلالة واضحة على انسداد الأفق أمام أي مسارٍ جاد.
الهدنة التي رُوّج لها لم تصمد أمام أول اختبار ميداني، لتتحول إلى غطاءٍ شكلي سرعان ما انهار تحت وطأة التصعيد الإيراني. ففي الوقت الذي كانت فيه طاولات الحوار قائمة، كانت أدوات طهران تتحرك على الأرض بوتيرةٍ أعلى، في مشهدٍ يعكس ازدواجيةً سياسية لا يمكن تجاهلها.
وهنا تحديدًا، لا يمكن فصل فشل التفاوض عن التصعيد الميداني، فإيران لا تفشل في السياسة صدفة، بل تُترجم تعثرها الدبلوماسي إلى تصعيدٍ ميدانيٍ محسوب، وكأن الميدان هو الامتداد الطبيعي لعجزها عن فرض شروطها على طاولة الحوار.
وفي الميدان، لم تكن الرسائل الإيرانية مبهمة، بل جاءت مباشرةً وحاسمة.
فقد استهدفت الهجمات منشآت الطاقة في المملكة العربية السعودية، وعلى وجه التحديد إحدى محطات الضخ الحيوية على خط أنابيب الشرق – الغرب، ما أدى إلى تعطّل جزئي في العمليات التشغيلية وخسارة تُقدّر بنحو 700 ألف برميل يوميًا من الإنتاج، فضلًا عن استشهاد مواطنٍ وإصابة سبعة آخرين. هذه ليست ضربة تكتيكية، بل استهدافٌ استراتيجي لشريان الطاقة العالمي، ورسالة تصعيد تتجاوز حدود الإقليم.
لم يتوقف المشهد عند هذا الحد، إذ تزامن التصعيد الخارجي مع تحركاتٍ داخلية عبر خلايا تخريبية مرتبطة بـ”حزب الله”، حيث نجحت الأجهزة الأمنية في كلٍ من دولة الكويت ودولة قطر في تنفيذ ضرباتٍ استباقية دقيقة أسفرت عن كشف هذه الشبكات وإحباط مخططاتها. وهو ما يؤكد أن التهديد الإيراني لم يعد تقليديًا، بل بات مركّبًا يجمع بين العمل العسكري والاختراق الأمني.
أما مضيق هرمز، فقد تحوّل في الحسابات الإيرانية إلى أداة ابتزاز مفتوحة، مع تصاعد التهديدات بإغلاقه وزرع الألغام وتعطيل الملاحة لفترات قد تتجاوز الأربعين يومًا. وهو ما يضع العالم أمام معادلة خطيرة: إما ردع هذا السلوك، أو مواجهة شللٍ جزئي في إمدادات الطاقة وارتباكٍ واسع في الاقتصاد العالمي.
وفي مقابل هذا التصعيد، تبرز دول مجلس التعاون الخليجي كطرفٍ يُدير الأزمة بعقلٍ بارد وقوةٍ محسوبة؛ منظومة أمنية متماسكة، ويقظة استخباراتية عالية، وقدرة على امتصاص الضربات دون الانجرار إلى الفوضى.
لقد أثبتت هذه الدول أن الحزم لا يعني التهور، وأن الردع يمكن أن يُمارس دون التفريط في الاستقرار. غير أن استمرار النهج الإيراني بهذا الشكل يفتح الباب أمام سيناريوهاتٍ أكبر، قد تصل إلى تدخل دولي مباشر لحماية الممرات الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، خصوصًا مع تزايد الأضرار التي تمس الاقتصاد العالمي ومصالح الدول الكبرى.
ختامًا: لم تعد المسألة خلافًا سياسيًا يمكن احتواؤه، بل مشروع فوضى متكامل ُديره إيران عبر أدوات متعددة، من الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى الخلايا التخريبية والضغط على الممرات الحيوية.
وبين هدنةٍ هشة ووساطةٍ انتهت إلى الفشل بفعل التعنت الإيراني، تتضح المعادلة بلا لبس: إيران لا تبحث عن سلام، بل تُراكم أسباب الصراع. وفي المقابل، تقف دول الخليج أمام هذا المشروع بثباتٍ استراتيجي، مؤمنةً أن حماية الأمن ليست خيارًا، بل واجبٌ سيادي لا يقبل التهاون، وأن تكلفة الردع -مهما بلغت - تظل أقل بكثير من كلفة الفوضى التي تسعى طهران إلى فرضها.
في مقدمة هذا الثبات، تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها ركيزة القوة الإقليمية، بما تمتلكه من ثقل سياسي وقدرات ردع واستقرار، إلى جانب منظومة مجلس التعاون الخليجي التي أثبتت تماسكها وجاهزيتها واحترافيتها العالية في مواجهة التحديات وصون أمن المنطقة.