نجلاء العتيبي
أتى هذا العيد على غير ما اعتادت عليه القلوب، حيث تتزاحم الأخبار، وتتلاحق صور الخوف من حولنا، وتتداخل الوقائع، حتى يبدو المشهد مُثقلًا بالاضطراب.
في كل اتجاه تُروى حكايات متوترة، وتُعرض تفاصيل لا تبعث على الطُّمأنينة، حتى أصبح المتابعُ يعيش بين تدفُّق مستمر من الأحداث التي تستنزف الذهن، وتثقل الشعور.
ومع ذلك مضى العيد في داخلنا بهدوءٍ مختلفٍ لم نصنعه نحن وإنما وُهب لنا؛ فشعرنا بالفرح دون أن نبحث عنه، وعشنا لحظاته دون أن نضطر إلى افتعاله.
هذا الشعور لم يكن غيابًا للوعي بما يجري، ولا انفصالًا عن الواقع، وإنما كان نتيجة يقين راسخ بأننا تحت حفظ الله، وأن هناك أرضًا نقف عليها بثباتٍ.
لا نُنكر أحيانًا كان القلق حاضرًا خفيفًا في أطراف الإحساس يُذكّرنا بما يحدث خارج حدودنا، لكنه لم يتمكَّن من اقتحام الداخل أو تشويه صفاء اللحظة.
فالسكينة كانت أرسخ من الضجيج وأعمق من كل ما يُقال ويُعرَض، رغم تسارع الأحداث، ووصولها إلينا لحظة وقوعها، فنحس بشيء من ثقلها دون أن نكون جزءًا مباشرًا منها.
يبقى في داخلنا امتنان هادئ لما نعيشه من استقرار، وإدراك عميق لقيمة الأمان الذي يحيط بتفاصيل يومنا دون أن نشعر به في كل لحظة.
هذا الإحساس لا يحتاج إلى مقارنةٍ، بل يُفهم حين نتأمَّل بساطة الحياة من حولنا في نوم هادئ، في طُرُق آمنة، في اجتماع الأسرة دون خوفٍ، وفي القدرة على التخطيط للغد بثقةٍ.
الأمان ليس شعورًا بسيطًا، بل هو منظومة متكاملة تُبنى عبر سنوات من العمل المتزن والرؤية الواضحة.
فحين يكون هناك من يدير الشأن بحكمةٍ، ويضع الاستقرار أولوية، ويوازن بين الحزم والرعاية، تظهر النتائج في حياة الناس قبل أن تُذكر في التقارير.
نلمس ذلك في بساطة يومنا، في استمرارية الخدمات، في حضور الدولة حين نحتاجها، وفي غياب القلق حين نفكر في المستقبل.
فالحكومة الرشيدة لا تُقاس فقط بقراراتها الكبيرة، وإنما تُعرف من أثرها في نفوس المواطنين.
وحين يشعر الفرد أن هناك من يحفظ أمنه، ويرعى مصالحه، ويستبق الأزمات قبل أن تصل إليه يتحوَّل هذا الإحساس إلى سكون عام يَسْري في المجتمع كله، ويمنح الناس ثباتًا غير لافت لكنه حاضر في كل تفصيلة.
هذا هو ما جعل العيد يمُرُّ بسلام داخلي رغم ما يدور في الخارج من اضطراب.
نحن لا نعيش بمعزل عن العالم، ولا يمكن أن نتجاهل ما يحدث، إلا أننا نملك نعمة عظيمة تتمثَّل في الاستقرار الذي يحفظ توازننا.
هذه النعمة تستحقُّ التأمُّل والشكر؛ لأنها ليست أمرًا مفروغًا منه في زمن تتغيَّر فيه الأحوال بسرعة.
والشعور بالأمان أصبح قيمة نادرة، ومن يملكه يُدرك معناه الحقيقي دون حاجة إلى شرح طويل.
وفي نهاية الأمر يبقى العيد رسالة تتجدَّد كل عام تُذكّرنا بأن الفرح ممكن حتى في أوقات التحوُّلات، وأن الاستقرار ليس صدفة، وإنما نتيجة جهد مستمر ورؤية واعية.
وما عشناه من سكينة خلال هذا العيد هو انعكاس لواقع متماسك يجعلنا ننظر إلى ما حولنا جيدًا، ونمضي في حياتنا بثقةٍ، ونحمد الله على ما نحن فيه من نعمة تستحقُّ أن تُصان وتُقدَّر في كل وقت.
ضوء
«اللهم أدمْ علينا نعمة الأمن والأمان، واحفظ بلادنا من كل سوء ومكروه، واجعل هذا الوطن مطمئنًّا».