د. خالد بن محمد الصغير
شهد العالم خلال العقود الأخيرة استثمارات واسعة النطاق من قِبَل قوى دولية كبرى لتعزيز الانتشار العالمي للغاتها عبر أطر مؤسسية ثقافية وأكاديمية.
فمن جهة دعمت فرنسا حضورها اللغوي والثقافي من خلال الشبكة المؤسسية للمنظمة الدولية للفرنكوفونية (Organisation internationale de la Francophonie)، ومؤسسة التحالف الفرنسي (Alliance Française).
وفي الاتجاه ذاته عملت الصين على توسيع نفوذها اللغوي عبر ما يقارب 500 مركز تابع لمعاهد كونفوشيوس (Confucius Institute) موزعة على ي أكثر من 150دولة.
أما الولايات المتحدة الأمريكية فقد أسهمت في ترسيخ المكانة العالمية للغة الإنجليزية من خلال منظومتها الجامعية البحثية الرائدة ممثلةً في مؤسسات مثل جامعة هارفارد، ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، فضلًا عن ثقلها الاقتصادي والتكنولوجي المهيمن على الساحة الدولية.
غير أن الإشكالية التحليلية الأعمق لا تكمن في حجم الإنفاق المالي بحد ذاته، بل في طبيعة العلاقة بين الموارد المالية وانتشار اللغة.
فهنا يبرز سؤال مركزي: هل يكفي الاستثمار المالي لصناعة لغة عالمية؟ أم أن عالمية اللغة ترتبط ببنية أشمل تتصل بالقوة الاقتصادية، والإنتاج المعرفي، والهيمنة الرمزية في النظام الدولي؟
وفي هذا السياق، يمكن تحليل الإشكال من خلال مقاربتين نظريتين رئيستين.
الأولى تعتبر اللغة شكلاً من أشكال «الرأسمال الرمزي» بالمعنى الذي طوره بيير بورديو (Pierre Bourdieu)، حيث تتحول الرموز الثقافية واللغوية إلى موارد تكرس التفاوت والهيمنة الرمزية داخل الحقل الاجتماعي.
أما المقاربة الثانية فترى اللغة أداة من أدوات «القوة الناعمة» وفق تصور جوزيف ناي (Joseph Nye) حيث تتحول القدرة على الجذب الثقافي والمعرفي إلى مورد استراتيجي فاعل في العلاقات الدولية، لا يقل أهمية عن القوة الصلبة العسكرية والاقتصادية.
ارتبطت العلاقة بين اللغة والقوة السياسية تاريخيًا بأنماط التوسع الإمبراطوري وتحولات موازين القوة في النظام الدولي.
ففي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر مثل الامتداد الاستعماري البريطاني الآلية الرئيسة لانتشار اللغة الإنجليزية على نطاق عالمي، ثم تعزز حضورها بعد الحرب العالمية الثانية بفضل صعود الولايات المتحدة كقوة اقتصادية وعسكرية مهيمنة.
واليوم تحتل الإنجليزية موقعًا رياديًا بوصفها لغة رسمية، أو شبه رسمية في أكثر من سبعين دولة، فيما يتجاوز عدد متحدتيها سواء كلغة أولى أو ثانية 1.5 مليار نسمة. وهذا يجعلها اللغة الأوسع انتشارًا في المجالين المؤسسي والعابر للحدود.
في السياق ذاته، تشير تقديرات المنظمة الدولية للفرنكوفونية إلى أن عدد الناطقين بالفرنسية يبلغ قرابة 320 مليون شخص، مع توقعات بارتفاع هذا العدد إلى أكثر من 700 مليون بحلول عام 2050 الذين يتركز معظمهم في دول إفريقيا جنوب الصحراء.
غير أن هذا النمو المتوقع على ضخامته يعكس بالأساس تحولات ديموغرافية في القارة الإفريقية أكثر من كونه نتاجًا مباشرًا لسياسات الاستثمار الثقافي المعاصر.
وهنا تبرز إشكالية محورية: فالموارد المالية قد تسهم بلا شك في تعزيز الاستدامة اللغوية وترسيخ الحضور المؤسسي، لكنها لا تفسر وحدها نشأة الانتشار الأولي للغة الذي يظل مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بتحولات القوة السياسية وبُنى الهيمنة التاريخية.
وعليه، يمكن القول إن العلاقة بين اللغة والقوة ليست علاقة خطية أحادية الاتجاه، بل هي علاقة جدلية معقدة تعتمد على التغذية الراجعة.
فاللغة المهيمنة تنبثق بالأساس من تحولات القوة السياسية والاقتصادية، ثم تعود بدورها لتعيد إنتاج هذه القوة وتكريسها عبر الاقتصاد المعرفي، والمؤسسات الأكاديمية، والأسواق العالمية لتتحول بذلك إلى عنصر فاعل في تشكيل موازين القوة ذاتها التي ساهمت في ظهورها.
تتجلى العلاقة بين اللغة والاقتصاد المعرفي في كون الهيمنة اللغوية المعاصرة ترتبط ارتباطًا وثيقًا ببُنى إنتاج المعرفة وتداولها عالميًا.
فوفقًا لبيانات النشر العلمي الدولي يُنشر ما يزيد على 90% من المقالات العلمية المفهرسة عالميًا باللغة الإنجليزية وذلك بالاستناد إلى قواعد التصنيف المعتمدة مثل ( Scimago)، كما تعتمد معظم الجامعات العشر الأولى عالميًا الإنجليزية لغةً رئيسة في البحث والتدريس. ولا يعكس هذا الواقع مجرد تفضيل أكاديمي عابر، وإنما يكشف عن تمركز الرأسمال المعرفي داخل فضاء لغوي محدد، بما يعنيه ذلك من احتكار رمزي لموارد المعرفة وشروط إنتاجها.
وتعزز تقارير مؤشر القوة الناعمة العالمي (Global Soft Power Index) هذا الترابط البنيوي؛ إذ تُظهر أن الدول ذات التأثير اللغوي الأوسع هي ذاتها الدول التي تتصدر مؤشرات الابتكار والاقتصاد المعرفي. فاللغة في هذا السياق لا تؤدي وظيفة تواصلية فحسب، وإنما تشكّل وعاءً للإنتاج العلمي وأداةً لإعادة توزيع الفرص داخل الاقتصاد العالمي، وتتحول كذلك إلى معيار للشمول والإقصاء في النظام المعرفي الدولي.
ومن اللافت أن ثمانية من أكبر عشر شركات تكنولوجيا في العالم تعتمد الإنجليزية لغة تشغيل أساسية، الأمر الذي يعمق ما يمكن تسميته بـ«الجاذبية الوظيفية» للغة؛ أي ميل الأفراد إلى اكتسابها بوصفها مدخلًا إلزاميًا إلى الحراك الاقتصادي والفرص التعليمية، وليس لمجرد كونها وعاءً للانتماء الثقافي الرمزي.
وقد عززت الثورة الرقمية هذا التمركز اللغوي بآليات غير مسبوقة؛ إذ تهيمن الإنجليزية على المحتوى العلمي والبرمجي، وتتصدر لغات التدريب في منصات الذكاء الاصطناعي وخوارزميات التعلم العميق. وهنا تتحول الهيمنة اللغوية من ظاهرة ثقافية إلى بنية تكنو-معرفية تعيد إنتاج الفجوة المعرفية بين اللغات، وتجعل الانتقال إلى اقتصاد المعرفة مرهونًا بالضرورة بالولوج إلى الفضاء الرقمي المهيمن لغويًا، الأمر الذي يكرس حتمية لغوية جديدة في عصر الثورة الصناعية الرابعة.
تُبرز التجربة الصينية حدود الاعتماد على البنية المؤسسية وحدها في صناعة الحضور اللغوي العالمي لتضع موضع تساؤل الافتراض القائل إن الانتشار المؤسسي كافٍ بذاته لترسيخ الهيمنة اللغوية. فمنذ عام 2004 شرعت الصين في افتتاح مئات المعاهد التابعة لبرنامج «معهد كونفوشيوس» (Confucius Institute) بهدف تعليم اللغة الماندرينية ونشر الثقافة الصينية خارج حدودها ليتجاوز عددها بحلول عام 2020 خمسمائة مركز موزعة على نحو 160 دولة. وقد مثّل هذا التوسع الهائل أحد أبرز تجليات توظيف الأدوات الثقافية في إطار استراتيجية القوة الناعمة الصينية، بل يمكن قراءته بوصفه المحاولة الأكثر طموحًا في القرن الحادي والعشرين لبناء نفوذ لغوي من أعلى، عبر آلية مؤسسية مركزية.
غير أن هذا الانتشار المؤسسي على ضخامته واجه تحديات بنيوية كشفت عن محدودية النموذج المعتمد.
فخلال العقد الأخير أقدمت عدة جامعات في الولايات المتحدة، وأوروبا على إغلاق بعض هذه المراكز، أو إنهاء شراكاتها معها بدافع مخاوف معلنة تتعلق بحرية البحث والاستقلال الأكاديمي وفق تقارير صادرة عن مجلس العلاقات الخارجية (Council on Foreign Relations) ومنظمات بحثية أخرى. وهنا تتجاوز الإشكالية مجرد العراقيل السياسية المؤقتة، لتطرح سؤالاً أعمق حول شروط القبول الرمزي للغة في الفضاء الأكاديمي الدولي.
فالتجربة الصينية تكشف أن البنية المؤسسية مهما اتسع نطاقها وبلغت كثافتها لا تكفي وحدها لضمان ترسيخ اللغة في المجال الأكاديمي العالمي. إذ يتطلب القبول الدولي للغة توافر رصيد متراكم من الثقة المؤسسية، واستقلال معرفي غير مشروط، وجاذبية اقتصادية مستدامة تجعل تعلم اللغة خيارًا استراتيجيًا ينبثق من حاجات السوق والمعرفة، لا مجرد استجابة لعرض تعليمي مدعوم سياسيًا أو ماليًا.
وهكذا تبرز المفارقة الجوهرية: فحين يُقرأ الانتشار المؤسسي بوصفه أداة ناعمة بامتياز قد يتحول إلى مثار شكوك جيوسياسية تعيق القبول الرمزي الذي كان يسعى إلى تحقيقه أصلاً.
تثير مكانة اللغة العربية في هذا السياق إشكالية مركزية تتمثل في الفجوة البنيوية بين الامتداد الديموغرافي والحضور المعرفي.
فإذ يتجاوز عدد الناطقين بالعربية 400 مليون نسمة مما يضعها في مصاف اللغات الأوسع انتشارًا من حيث عدد المتحدثين الأصليين، إلاًّ أن هذا الثقل العددي لا ينعكس بصورة موازية في مجال الإنتاج العلمي. وتشير البيانات إلى أن مساهمة الدول العربية في النشر البحثي العالمي لا تتجاوز 1-2% من إجمالي الأبحاث المفهرسة دوليًا. كما أن نسبة الدراسات المنشورة باللغة العربية في المجلات المصنفة عالميًا تبقى هامشية.
ويؤدي هذا الاختلال البنيوي إلى تآكل موقع العربية بوصفها لغة علم وإنتاج معرفي، على الرغم من رصيدها الحضاري والتاريخي والديني العميق.
ولعل أخطر تجليات هذه الفجوة تكمن في الازدواجية اللغوية السائدة في كثير من السياقات العربية حيث يُعتمد على اللغات الأجنبية، لا سيما الإنجليزية والفرنسية في التعليم العالي والبحث العلمي، بينما تظل العربية محصورة في المجالات المجتمعية والثقافية. ويخلق هذا الانفصال بين المجال المعرفي والمجال المجتمعي قطيعة إبستيمولوجية تعيق تراكم الرأسمال اللغوي العربي وتحول دون تحول اللغة إلى وعاء حيوي للإنتاج العلمي والمعرفي الراهن.
وتبعًا لذلك، يتمثل التحدي الاستراتيجي الحقيقي للغة العربية في إعادة تموضعها داخل منظومة الاقتصاد المعرفي العالمي بوصفها لغة قادرة على إنتاج المعرفة لا استهلاكها، وليس فقط في توسيع شبكات تعليمها عالميًا.
ويتطلب ذلك استثمارًا منهجيًا في البحث والتطوير في وقت لا تزال فيه نسبة الإنفاق على هذا القطاع في معظم الدول العربية دون 1% من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بمتوسط عالمي يتجاوز 2%، ويصل في بعض الاقتصادات المتقدمة إلى أكثر من 3%.
ومن هنا، فإن تعزيز المكانة الدولية للعربية يمر حتمًا عبر إعادة بناء بنيتها المعرفية والمؤسسية، وتجاوز النموذج القائم على توطين اللغات الأجنبية في حقول المعرفة الحيوية، صوب نموذج بديل يؤسس لعربية قادرة على استيعاب العلوم وإنتاجها، لا على نقلها وترجمتها فحسب.
بيّن التحليل أن اللغات لا تكتسب عالميتها عبر الإنفاق المالي وحده فهي تتشكل ضمن منظومة بنيوية متكاملة تتضافر فيها القوة الاقتصادية المنتجة، والجامعات البحثية ذات التأثير الدولي، والشركات التكنولوجية الرائدة، وبيئة معرفية تتسم بالانفتاح والاستقلال المؤسسي. ومن ثم، فإن الاستثمار في نشر اللغة بمعزل عن بناء قاعدة معرفية صلبة يظل أقرب إلى تشييد واجهة رمزية بلا أساس بنيوي راسخ، أو إلى استثمار في التوزيع لا يتكئ على قدرة حقيقية على الإنتاج.
فاللغة، وإن كانت في جانب منها انعكاسًا لتحولات القوة، فإنها في الوقت ذاته تتحول إلى أداة فاعلة لتعزيز هذه القوة حين تصبح وسيطًا للإنتاج العلمي والابتكار الاقتصادي.
ولا يعني ذلك أن الاستثمار الثقافي عديم الأثر، فأثره يصبح حاسمًا حين يتكئ على قاعدة إنتاجية ومعرفية متينة، وحين يندرج في سياق استراتيجية متكاملة لا تكتفي بالترويج الرمزي، وإنما تستهدف التمكين المعرفي.
وعليه، فإن أي مشروع استراتيجي لنشر لغة ما بما في ذلك اللغة العربية لا يمكن أن يقتصر على التوسع التعليمي، أو الثقافي، بل ينبغي أن ينطلق من إصلاح منظومة البحث العلمي، وتعزيز بيئة الابتكار، وبناء اقتصاد معرفي يجعل من اللغة خيارًا وظيفيًا عالميًا لا مجرد حامل لرمزية ثقافية أو هوية حضارية. وهكذا تعود الإشكاليات اللغوية في جوهرها إلى الإشكاليات المعرفية والتنموية ليتأكد أن عالمية اللغة ليست هبة تمنحها المؤسسات الثقافية، وإنما ثمرة تنضج في سياق مجتمع منتج للمعرفة، فاعل في الاقتصاد العالمي، ومؤثر في تشكيل ملامح المستقبل.