د. محمد بن أحمد غروي
يحتفل العالم في منتصف هذا الشهر بالفن العالمي ودوره الملموس في تعزيز الروابط بين الإبداعات الفنية والمجتمع، ودور الفنون في الربط والتواصل بين المجتمعات، حيث تعد مكونًا أساسيًا في ثقافة آسيان التي تحتفي بالتواصل بين الشعوب ومختلف الأعراق، فالفن يعتبر وسيلة للتعبير عن عدة مظاهر ثقافية، وعادات اجتماعية ترتبط بتاريخهم وحياتهم.
من الملاحظ أن رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) بدأت التعاون في مجال الفنون والثقافة في وقت مبكر من سنواتها التكوينية، وذلك من خلال إنشاء لجنة آسيان للثقافة والإعلام (ASEAN-COCI) في أواخر عام 1978، وإطلاق صندوق آسيان الثقافي من قبل وزراء خارجية آسيان في ديسمبر 1978. وأدركت الرابطة باعتبارها تكتلاً إقليمياً، أهمية تراثها الثقافي، وبذلت جهوداً حثيثة لتعزيز مكانة الفنون والثقافة في إبراز الخصوصية الثقافية للمنطقة.
وتعتبر شراكات آسيان الثقافية أدوات إستراتيجية تُعزِّز هوية آسيان، وتُوسع نطاق تأثيرها العالمي، وتُقوي تماسكها الداخلي، في الوقت الذي تُسهم فيه في تحقيق أهدافها الإقليمية.
ويُعدّ مجتمع آسيان الاجتماعي والثقافي أحد أركان مجتمع آسيان، وقد أنشأ التكتل الإقليمي فريق عمل معني بثقافة الوقاية لضمان تنفيذ إعلان آسيان بشأن ثقافة الوقاية من أجل مجتمع سلمي، شامل، مرن، صحي، ومتناغم، واعتُمد هذا الإعلان في عام 2017 بمانيلا (الفلبين) خلال القمة الحادية والثلاثين لآسيان.
تتضمن إعلانات مؤتمرات آسيان ستة محاور رئيسية، تشمل ثقافة السلام والتفاهم بين الثقافات، وثقافة احترام الجميع، وثقافة الحوكمة الرشيدة على جميع المستويات، وثقافة المرونة والعناية بالبيئة، وثقافة نمط الحياة الصحي، وثقافة تدعم قيم الاعتدال، ويجسد هذا أولويات أسيان لبناء مجتمع مستدام ومرن قائم على السلام والصحة الجيدة والتفاهم، وأكدت آسيان، من خلال الإعلان والخطة الإستراتيجية، أن الفن والثقافة قادران على تعزيز منطقة تؤمن بالتنوع الثقافي وتدعم التفاهم بين الثقافات، وتقدير تاريخ المنطقة وثقافاتها، ويشجع التنوع الثقافي، ويؤكد على أهمية التنمية الشاملة والمستدامة، فاستثمار الثقافة والفن في الإبداع والابتكار لتوفير سبل العيش، ويعزِّز التعاون الإقليمي في إدارة التراث، وتموضع الرابطة في المجتمع الدولي.
ويتجلى ثراء آسيان من الناحية الفنية والثقافية في إدراج اليونسكو منذ عام 2008 وحتى العام الماضي 62 عنصرًا مدرجًا في قائمة التراث والفن غير المادي الإنساني لليونسكو، من بينهم عناصر تمثيلية للتراث غير المادي أو عناصر تراثية تحتاج إلى حماية عاجلة.
ومن هذه الفنون التي أدرجتها اليونسكو في قائمتها «فن شعر البانتون» في ماليزيا وبروناي وإندونيسيا المستخدم للتعبير عن الأفكار والمشاعر المعقدة، ويُنقل عبر الموسيقى والغناء والكتابة، و»مسرح الظل الخميري» الذي يعود إلى ما قبل عصر أنغكور، وتطور من طقس ديني إلى شكل فني، مع احتفاظه بطابعه الاحتفالي، وهناك فن الخون أو مسرح الرقص المقنّع في تايلاند الذي يجمع بين عناصر موسيقية وغنائية وأدبية وراقصة وطقوسية وحرفية، و»موسيقى الخاين Khaen music» في لاوس التي تشكل جزءًا من احتفالات القرى، ومن المعتاد أن يشارك المستمعون بنشاط في الأغاني والرقصات، ودخلت قائمة اليونسكو في 2017 علاوة على الفنون القتالية كفن السيلات Silat للدفاع عن النفس والبقاء، من الفنون المتجذرة في أرخبيل الملايو. وتطور ليصبح ممارسة راقية للتدريب البدني والروحي.
كما تُجسّد العديد من الآلات الموسيقية في جنوب شرق آسيا الطبيعة والحياة الروحية لسكانها الأوائل، حيث تُصنع أقدم الآلات الموسيقية وأكثرها شيوعًا من الخيزران، وهو نبات ينتشر في جميع أنحاء المنطقة، وتُعزف آلات الخيزران بأصواتها الرقيقة والعذبة، معبرةً عن المشاعر الإنسانية ومعزّزةً التواصل الفني بين القرويين، كما تحظى مجموعات آلات الغونغ البرونزية بمكانة مرموقة في المجتمعات القروية لقدرتها على التواصل مع العالم الروحي. وتستحضر طقوس القرى منذ القدم هذه الصلة الوثيقة بين العالمين البشري والروحي، وهو ما يدلل على أهمية فن الموسيقى في منطقة آسيان وارتباطها الوثيق بحياة شعوبها.
من الواضح أن آسيان عملت على خطوات مجدة لنيل الاعتراف بمزيد من فنونها التراثية ويتماشى ذلك مع عمل آسيان على التأكيد على قوتها الناعمة ثقافيًا بين شعوبها وفي مختلف دول العالم الأخرى من ناحية، وتأكيد موقعها في خارطة السياحة الثقافية التي تهتم بالأنشطة الثقافية وممارسات الشعوب أكثر من العناصر السياحية الأخرى، إذ أعلنت الرابطة مؤخرًا عن إطلاق منصة إلكترونية للرابطة بالتعاون مع المنظمة العالمية للملكية الفكرية (الويبو)، لتسليط الضوء على المنتجات والخدمات ذات الأصل الجغرافي المحدد في آسيان، والتي تُجسد التراث الثقافي والهوية سعيًا للترويج لمنتجات المؤشرات الجغرافية والتراث الثقافي كنقاط بيع فريدة. ويتضح من خطوات آسيان الأهمية الثقافية للفنون بمختلف أشكالها كرابط بين الشعوب وأداة للقوة الناعمة والحضور الثقافي في الإقليم وعلى الساحة العالمية.