رمضان جريدي العنزي
الجو كان بارداً بل زمهريراً وقارس البرودة، يدخل الجسم والعظم ويهدد أطراف الجسم الأخرى بالعطب، حينها قررت أن أجلب الحطب وأعواد الرمث اليابسة والجلة المتناثرة هنا وهناك، أشعلت النار لأشحذ منها الدفء، متدثراً بفروة رعيانية أقصر مني وأصغر، كان ذلك في شتاء العام المنصرم أذكر ذلك جيداً بالوقت وباللحظة، ستة أيام غاية في البرودة وغاية في التعب وغاية في الركض وراء اصطياد الطيور التي لا أتقن أسماءها، ولا كيف تعيش أو تستقر ولا حتى كيف تهاجر كجماعات أو فرادى. ازددت في تلك الأيام الخوالي خبرة في شؤون الحياة غيرتني رأساً على عقب، كان التخييم في الصحراء مليئاً بالمفاجآت، وأردت أن أنتهز هذه الفرصة وأغامر على طريقة (الرحالة) الكبار، لقد بذلت ما في وسعي لأعرف كل شيء وأتفحص كل شيء وأدون المعلومة عن كل شيء، وأسأل الرفاق الكبار في السن عن كل شيء حتى أن أحدهم غضب مني ونهرني بأدب بأن أتوقف عن كثرة الأسئلة، لكنني أخبرته بأني أملك حب الاطلاع ولدي هواية المعرفة حتى عن صغائر الأشياء وهذا هو ديدني وهذا هو شأني، عندها ربت على كتفي بحنو وتأسف، الوقت ليل والبرد يزداد قوة وزخات المطر تطرق بقوة سقف الخيمة المتهالك أصلاً حتى أصبح الوضع في الخيمة شيئاً لا يطاق؛ لذا قررت الرحيل في حالة من اللاوعي المطبق ودون أن أفكر حينها بأي شيء.
في غمرة الليل العتيم والبرد القارس سرت ماشياً ثلاثة أيام بلياليها كي أصل لبيتي الطيني العتيق في تلك الهجرة النائية في إحدى تخوم الشمال البعيدة، كان في نيتي البقاء مع رفقاء الرحلة لكنني لم أتحمل تصرفاتهم وأوامرهم الغليظة المجحفة بحقي كوني أصغر سناً وقامة منهم، كان المطر يهطل بقوة ويلسعني كالسياط مختبئاً تارة تحت الشجيرات الصغيرة وتحت الصخور الحجرية تارة أخرى، ولحسن حظي كنت أرتدي (فروتي) و(مشمع) سميك وشماغ بالي لففته على وجهي وأدخلت طرفيه تحت عقالي ليحمي رأسي كله من البرد، وبينما أنا منكب في مسيري كنت أردد بعض قصائد الهجيني بصوت خافت لتساعدني على قطع الفيافي ولأسلي روحي المتعبة؛ لأن القصائد تجعل من الأشياء أحياناً واقعاً حياً وملموساً وشيئاً مسانداً لاجتياز المصاعب، عشت ساعات غاية في الصعوبة خلال رحلة العودة أزعجني فيها عواء الذئاب الجائعة وظلمة الليل البهيم ووحدة النفس وحزن المصير ومفاجآت الآتي، بعد أن وصلت بيتي في حالة إعياء شديد وهزال بائن تنهدت طويلاً وحاولت تعديل هندامي كي أستقبل زوجتي وطفلتي الصغيرة بابتسامه عريضة لكنها تنم عن وجع في النفس ووجع في الجسد في آن واحد، لكنني حاولت أن أضمر الإعياء وأخفي التعب وأكابر، مرضت بعدها شهوراً طويلة كنت أتداوى خلالها من الأعشاب البرية المتنوعة منقوعة بالماء أحياناً وكـ(سفوف) أحياناً أخرى على يد عجوز طاعنة في السن يلقبونها بـ (أم قعود) حتى شفيت وعادت لي عافيتي من جديد بعد رحلة مريرة وطويلة مع المرض والعلاج والكي، بعدها رحلت إلى العاصمة لأعمل عسكرياً في أحد القطاعات العسكرية برتبة جندي ولأكمل تحصيلي العلمي ليلاً، ثابرت طويلاً وعانيت كثيراً وقاسيت كثيراً حتى حصلت على درجة البكالوريوس ورتبة وكيل رقيب، ثم أصبت بمرض الفشل الكلوي التام المزمن الذي أعاقني عن تحقيق طموحي الكبير بتحقيق درجة الدكتوراه.
لي ذكريات موغلة في السفر والتعب والمثابرة والهمة الكبيرة والمرض، وهاأنذا على فراش المرض بجسد رقيق يشبه عود (الشيح) أو (القيصوم) اليابس، أو خزامى أضناها العطش، أو كغصن نسيه الربيع، تذروه رياح الوجع، وتسكنه آهات لا تسمع، عانقت حر الأيام وبرد الليالي، لكن في داخلي شيء صغير عنيد يرفض أن ينطفئ، مررت بمواسم حارة، ومع ذلك مازال في شيء نقي كسحابة بيضاء لم تلوثها الرياح، عانيت من مشكلات ساخنة في حياتي التي التفت من حولي وصهرتني هماً ومعاناة على شكل أحداث وتقاطعات، وفق شبكة من العلاقات الحياتية التي تشبه رحى الطاحونة التي تظل تدور وتدور دون أن تتعب، مثل (صميل) لبن في قيظ لا يرحم، يحفظ ما فيه بارداً رغم اشتعال النهار، ساكن الظاهر، لكن في داخله حياة تقاوم اللهيب، إنني أعلم بيقين تام، بأن الأرواح ترهق، لكنها لا تنكسر، تحمل وجعاً، لكنها تبقى أنيقة حتى في أوج تعبها.