فائز بن سلمان الحمدي
ليست الأوطان رجع صدى يستثار في فضاء المنابر، ولا أصداء حماسة تستدر بها عواطف الجماهير ثم تذوي مع انطفاء اللحظة؛ بل هي معمار عزم تشيده الإرادات الصلبة، ونسج وعي تحكم خيوطه العقول الراشدة، وسفر مجد لا تخط صفحاته إلا بمداد العمل المتقن، وبصبر الرجال الذين يجيدون فن التشييد في صمت.
إن العنتريات الخطابية -مهما تأنقت في حلل البيان، وتوشحت بديباج الفصاحة- ليست سوى خدر يسكر الوجدان حينًا، ثم يخلف وراءه يقظة مرة، حيث يتكشف العجز عاريًا من زينة القول. هي ومضات براقة تخاتل الأبصار، وتستميل الأسماع، غير أنها لا تقيم عمود حضارة، ولا تنشئ صرح ازدهار، ولا تروي ظمأ شعب يتطلع إلى عيش كريم يليق بإنسانيته.
فالشعوب -وإن سحرت ببلاغة العبارة- لا تستديم عيشها على فتات الكلمات، ولا تقيم كيانها على أوهام الشعارات؛ إنما تقيمه على مؤسسات راسخة، وخدمات محكمة، وعدالة مستقيمة، وفرص مثمرة، تعيد إلى الإنسان قيمته، وتشيد له مستقبله في أرض يشعر فيها أنه شريك في النعمة، لا متلقٍ للوعد. وهنا يتجلَّى الفارق الفادح بين من يتخذ المنبر محراب تزيين، ومن يتخذ الوطن محراب بناء. فالأول بارع في صياغة الضجيج، متقن لفن الإيهام، يكدس من الكلمات ما يسكر السامعين، فإذا انفض الجمع لم يبق غير الفراغ.
أما الثاني، فهو رجل الميدان، وسادن الفعل، يحاور التحديات بصرامة الرؤية، ويجيب على أسئلة الواقع بأفعال ترى، لا بأقوال تروى. القائد المحنك لا يغريه بريق اللحظة، ولا تخدعه نشوة التصفيق؛ بل يزن الزمن بميزان البصيرة، ويستثمر موارد وطنه استثمار من يدرك أنها أمانة لا غنيمة، ومسؤولية لا زينة. يرى في كل مورد إمكانًا، وفي كل إمكان مشروعًا، وفي كل مشروع خطوة نحو اكتمال العمران. فلا يبدد الثروات في مهرجانات القول، بل يحيلها إلى منظومات حية تنظم الحياة، وتيسر المعيشة، وتشيع الطمأنينة في القلوب.
وهو -في سمو نظره- لا يبتدئ بالبنيان قبل الإنسان، بل يغرس في العقول وعيًا، وفي النفوس انتماءً، وفي الأيدي مهارة، حتى إذا قام البنيان، قام على أساس من كرامة راسخة لا تهتز، إذ يعلم أن الحضارات لا تقوم بالحجر وحده، بل بما وراء الحجر من عقل يدبر، وخلق يقيم، وإتقان يزهر. ولقد علمتنا مسيرة الأمم أن النهضة لا تولد في ضجيج الخطب، بل في محراب التخطيط، ولا تربى في ظلال الشعارات، بل في ميادين الإنجاز؛ حيث تتعانق الرؤية الثاقبة مع الإرادة الصلبة، فيختصر الزمن، وتختزل المسافات، وتتحول الإمكانات إلى وقائع تلامس حياة الناس، في طرقاتهم، ومرافقهم، وجودة عيشهم، وطمأنينة مستقبلهم.
وفي هذا المقام، تتجلى صورة سامقة لقيادة ناضجة، شادت مجدها على سكينة البصيرة لا على صخب المغامرة، وأقامت ميزانها على رجاحة الحلم لا على طيش الاندفاع. قيادة أدركت أن اقتحام أتون الصراعات المدمرة ليس ظفرًا يرتجى، بل نزيف يستنزف، وأن أعلى مراتب الظفر ما كان في صيانة الأوطان من لهيب الفتن، وتجنيب الشعوب عواقب المزالق التي لا تورث إلا خرابًا مقيمًا وندمًا طويلًا. لقد انتهجت -في ثبات يحسد- سبيل الاتزان الرصين، فكانت سيدة قرارها، لا تستدرج إلى هاويات التأزيم، ولا تغريها نشوة التصعيد، بل تمسك زمام اللحظة بقبضة الحكمة، وتحيل عواصف الإقليم إلى دروس تثري بها مسيرتها، لا إلى معارك تبدد بها مقدراتها.
فجنبت وطنها مزالق التمزق، وصانت موارده من الاستنزاف، ووجهت طاقاته إلى ميادين البناء؛ حيث تحفظ الدماء، وترعى المصالح، وتصان الكرامة. وهنا تتألق المملكة العربية السعودية في أبهى تجليات الحنكة السياسية؛ إذ لم تساورها غواية الضجيج، ولم تزاحم في أسواق الشعارات، بل اختارت أن تكون قوة توازن راجحة في محيط مضطرب، تطفئ حيث يشعل غيرها، وتجمع حيث يفرق سواها، وتبني حيث ينشغل الآخرون بالهدم.
فغدت -بما وهبها الله من قيادة راشدة- ركيزة استقرار، ومنارة اعتدال، ونموذجًا يحتذى في كيف تدار الدول بعقل يزن العواقب قبل الوقائع، ويقرأ مآلات الزمن قبل تقلبات اللحظة. إنها قيادة تعرف متى تقدم فتحسن الإقدام، ومتى تحجم فتحسن الإحجام، ومتى تلوح بالقوة فتجعلها ميزانًا للردع لا أداة للعبث، ومتى تؤثر لغة الحكمة فتجعلها جسرًا للسلام لا ستارًا للضعف. فلا هي أسيرة انفعال، ولا رهينة ضغط، بل سيدة قرار تديره بعين على الحاضر، وعين على الآتي، حتى غدا الوطن في كنفها آمنًا في اضطراب العالم، ثابتًا في تقلبات الإقليم. وإن من أبهى صور القيادة تلك التي تحسن تحويل التحدي إلى فرصة، والموارد إلى روافد تنمية مستدامة، والرؤى إلى خرائط طريق تفضي إلى ازدهار متنام. قيادة لا تكتفي بأن تقول ماذا تريد، بل تنجز كيف يكون، وتثبت أن الفعل أصدق بيانًا من كل بيان.
فأعظم ما يهدى إلى الشعوب ليس خطابًا مهيبًا، بل واقعًا مشرقًا؛ ليس وعدًا مطربًا، بل نظامًا منصفًا؛ ليس حماسة عابرة، بل استقرارًا دائمًا. هناك -حيث يتجلى أثر القيادة- يصبح الوطن كيانًا يعاش، لا فكرة تقال، وتغدو الكرامة أسلوب حياة، لا شعارًا يرفع.
تحية مضمخة بالتوقير لكل قيادة آثرت أن تكتب مجدها بسواعد العمل، وأن تشيد عزها على أعمدة التنمية، وأن تجعل رفاه الإنسان غاية سامية لا زينة خطابية.
تحية لمن فهموا أن الأوطان تدار بحكمة العقول، وتصان بعدل القوانين، وتزدهر بإخلاص الرجال.
فهكذا يصاغ التاريخ في أنقى حلله: لا بمداد الشعارات، بل بنبض الإنجاز، ولا بصخب الكلمات، بل بهيبة الأثر، حيث يقف الوطن شامخًا، لا لأنه قيل فيه الكثير، بل لأنه صنع فيه الكثير.