د. إبراهيم بن جلال فضلون
«ليست كل هدنة سلامًا، فبعضها صمتٌ مشحونٌ بما يكفي لإشعال حربٍ أوسع، فحين يهدأ صوت السلاح، لا يعني ذلك أن الحرب انتهت، بل قد يكون العقل العسكري (مُتثعلب) بدأ يفكر بصوتٍ أخطر، فالولايات المتحدة وإسرائيل قد انهارا في قلب الأزمات الكبرى، ويُريدان التنفس ولو قليلاً، كمرحلةٍ رمادية تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع المناورات السياسية، في وقت تعجز الأطراف عن الحسم؛ لتُبرز التهدئة المؤقتة بوصفها مشهدًا ملتبسًا بين فرصةٍ نادرة لاحتواء الانفجار، أو استراحةٍ محسوبة قبل استئناف الصراع بأدواتٍ أكثر حدّة. وكأنها لحظة اختبار للإرادات، ومرآة تعكس ما إذا كانت الأطراف تسعى فعلًا إلى تفادي الانفجار، أم أنها تؤجله فقط إلى توقيتٍ أكثر ملاءمة.
ما بين إعادة التموضع ورغبة الاحتواء، تبدو هذه التهدئة أقرب إلى «هدوء تكتيكي ونية سياسية» أكثر من كونها تحولًا استراتيجيًا، أو إلى إرادةٍ سياسية مكتملة لتجنب التصعيد الشامل، بدليل قصر مدتها، والتباين الواضح في تفسير بنودها، لاسيما فيما يتعلق بجبهة لبنان ومضيق هرمز، كلها مؤشرات على أن الأطراف لم تتخلَّ عن أدوات القوة، بل أعادت ترتيب استخدامها.
في مثل هذه الحالات، لا يكون الهدوء نقيضًا للحرب، بل امتداد لها بوسائل مختلفة. فإعادة ترتيب الصفوف، وإعادة توزيع الموارد، واختبار نيات الخصم، كلها مؤشرات على أن الهدنة قد تكون مجرد فصلٍ في كتاب الصراع، لا خاتمته، خاصة في ظل الكلفة الباهظة لأي مواجهة واسعة، ومع ذلك، لا يمكن إنكار وجود دوافع حقيقية لدى بعض الفاعلين لتجنب مواجهة شاملة، خاصة في ظل تعقيد المشهد الإقليمي وتشابك المصالح الدولية، لكن هذا التيار يبدو، حتى الآن، محكومًا بحسابات الردع أكثر من كونه صانعًا لمسار سلام حقيقي.
أما المكاسب السياسية، فنراها هدنة لتثبيت الروايات فقط من خلال هذه الفترة القصيرة، والتي يسعى كل طرف إلى تعظيم مكاسبه السياسية:
الولايات المتحدة تحاول توظيف التهدئة لتخفيف الضغط الداخلي والخارجي، وتقديمها كدليل على نجاح سياسة الردع دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة.
إيران تستثمر الوقت لإعادة تنظيم قدراتها، مع الحفاظ على خطاب الصمود وعدم التراجع، بما يعزز موقعها التفاوضي.
إسرائيل تستفيد من الغموض البنيوي في الاتفاق لتفكيك الجبهات، والإبقاء على حرية الحركة في مناطق تعتبرها خارج نطاق التهدئة.
باكستان تحقق اختراقًا دبلوماسيًا مهمًا، يعزز صورتها كوسيط قادر على التأثير في لحظات حرجة.
غير أن التزام هذه الأطراف بالهدوء يظل التزامًا مشروطًا، محكومًا بمدى تحقيق كل طرف لمكاسبه، لا بروح الاتفاق ذاته.
أما دور القوى الإقليمية والدولية فكانت بين الوساطة والقدرة المحدودة حيثُ لعبت دور «المُيسّر» أكثر من كونها «الضامن»، فالدبلوماسية قادرة على فتح النوافذ، لكنها عاجزة عن إغلاق أبواب التصعيد ما لم تتوفر إرادة حقيقية لدى الأطراف لاسيما إسرائيل المحتلة. فالضغوط المتاحة من (عقوبات، أو حوافز، أو قنوات اتصال)، تكون أدوات لإدارة الأزمة لا لحلها، ولا ننسي أن هناك غيابًا لتعريفٍ موحّد لبنود التهدئة يُضعف أي آلية رقابة، ويجعل كل خرق محتملًا للتأويل، لا للإدانة الحاسمة.
إنها تهدئة «تنويم مغناطيسي سياسي»، في أحد أخطر السيناريوهات كحالة من الهدوء الظاهري تُخفي تحتها استعدادات مكثفة لجولة أعنف، وهو في مثل هذا النمط ليس جديدًا في الصراعات الدولية؛ إذ كثيرًا ما تُستخدم الهُدن القصيرة لشراء الوقت، لا لصناعة السلام. وعندما تستمر الخلافات الجوهرية دون حل، لتبقى الجبهات مفتوحة جزئيًا، باحتمالية أن تكون التهدئة غطاءً لتحضيرات عسكرية تصبح مرتفعة.
المؤشر الحقيقي هنا ليس التصريحات، بل الوقائع على الأرض:
هل هناك خفض فعلي للتوتر؟
هل يتم ضبط الجبهات الهشة؟
هل تتحقق اختراقات تفاوضية ملموسة؟
إن غابت هذه المؤشرات، فإن الهدوء ليس سوى استراحة بين موجتين من التصعيد.
وقفة: اللحظات التي يتوقف فيها إطلاق النار ليست دائمًا نهاية الحروب، بل قد تكون الفرصة الأخيرة لتجنبها، فإما أن تتحول إلى مدخلٍ لتسويةٍ تدريجية تعالج جذور الصراع، أو تبقى مجرد فاصلٍ زمني يعيد إنتاج الأزمة بشكلٍ أكثر تعقيدًا.
وبالتالي، فإن التحدي الحقيقي أمام الأطراف ليس في الحفاظ على الهدوء، بل في تحويله من تكتيكٍ عابر إلى خيارٍ استراتيجي، وهو ما يتطلب شجاعة سياسية قد تكون، في كثير من الأحيان، أصعب من خوض الحرب نفسها.