محمد سليمان العنقري
عرف عن حلف الناتو أنه عسكري وأقيم بعد نهاية الحرب العالمية الثانية لمواجهة خطر الاتحاد السوفيتي على أوروبا الغربية، لكن رغم عراقته ووجود أقوى دول العالم فيه بقيادة أميركا إلا أن أحد أهم جوانب قوته أن دوله تشكل أكثر من 40 بالمائة من الناتج الإجمالي العالمي، وتملك افضل التقنيات والصناعات بكل المجالات، ولولا ذلك لما أصبحت قوته العسكرية ضاربة وتمكنت من الوقوف بوجه الكتلة الشرقية التي شكلت حلف وارسو بقيادة السوفيت، فالفوارق بينهم كانت كبيرة اقتصادياً وحتى في قوة الصناعات والتقنيات وخصوصاً العسكرية، ولعل عامل التوازن الوحيد بينهم كان امتلاك الطرفين للسلاح النووي فالحرب تحتاج لسلاح لاشعالها لكن استمرارها يحتاج لاقتصاد، وهذا ما صنع الفارق لصالح الناتو في تفوقه السابق على حلف وارسو.
لكن اليوم نشهد تصدعا بحلف الناتو وتلميح اميركي بالانسحاب منه بعد 35 عاماً على تفكك الاتحاد السوفيتي ونهاية حلف وارسو معه عام 1991 فاميركا أصبحت ترى في وجودها للدفاع عن أوروبا عبئا اقتصاديا بدون فائدة لها، وأنه أصبح مفيداً لأوروبا فقط والخطر السابق الذي بموجبه وجد الحلف تراه اختفى بخطورته السابقة؛ مما أدى إلى ان تعيد أميركا صياغة تحالفاتها وتوجهاتها الجديدة، والتي عبر عنها الرئيس ترمب بأنها « أقوئ لاعادة تنظيم العالم « حيث بدأت التحولات تدريجياً من عهد الرئيس كلينتون إلى من جاء بعده، حيث نفذت في كل مرحلة خطوة باتجاه التغيير الذي أصبح الآن ظاهراً بشكل كبير مع الرئيس ترمب بإطلاق خارطة أميركا الشمالية الكبرى والتغيير في حديقتها الخلفية فنزويلا وحديثهم عن تغييرات قادمة في كوبا؛ مما يعني أن المناطق التي كان للاشتراكية والشيوعية موطئ قدم فيها بقارة اميركا انتهت..
اما التحرك الأبرز فهو سيكون في شرق آسيا مستقبلا، وتم التأسيس له كي تكون دول المنطقة أغلبها بتحالف مع أميركا ضد الصين حيث تشتد المنافسة الاقتصادية بين واشنطن وبكين، ولكن الوصول لذلك يبدو أنه كان سيصبح بناؤه ضعيفا بدون ان تعود أميركا لتعزز تحالفها مع الشرق الأوسط والتي تعتبر منطقة حيوية للصين لوجود الطاقة والمعادن فيها بكميات هائلة وأسواق استهلاكية ضخمة..
ومن هنا يبدو أنه بعد أن تهدا المنطقة باتفاقيات تزيح حقبة طويلة من الصراعات الجيوسياسية، ويعمم النموذج التنموي على العديد من دولها على غرار النموذج الذي بنته دول الخليج العربي الستة وأصبحت تشكل قرابة 30 بالمائة من الناتج الإجمالي لدول الشرق الأوسط الذي يبلغ عدد دوله حوالي 18 دولة، ولكن إذا وسع مفهوم حجمه فإن العدد أكبر بكثير فأميركا أطلقت في عهد بوش الابن مصطلحاً جديداً له يعرّفه بأنه يمتد من موريتانيا إلى باكستان، ومن هنا فإن اميركا ترى في اقامة علاقة استراتيجية اقتصادية وتجارية مع هذه الجغرافيا التي تعد الأهم عالمياً بديلاً مهماً لحقبة طويلة من علاقتها التجارية مع أوروبا التي انتهت بأن يكون الميزان التجاري فيها لصالح اوروبا فاصبحت المنفعة باتجاه واحد..
قد لا يكون مستغرباً بعد انتهاء الحرب الامريكية الايرانية وعقد اتفاقية سلام دائم وتغيير بالنهج السياسي لإيران وغيرها من الدول نحو التركيز على التنمية والشراكات الاقتصادية والتجارية أن تطلق أميركا مشروع « الناتو الاقتصادي» كاسم مجازي او ما يشبهه حيث أصبح رمزاً للتحالفات القوية على غرار مشروع مارشال الذي نفذته في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية ليشكل لبنة تحالف الأول من نوعه بعمقه الاقتصادي والتجاري لنقل الكثير من دول المنطقة التي غابت عنها التنمية لعقود لعهد جديد يستغل إمكانياتها ويحولها لعامل فاعل في شرق أوسط يضاهي أوروبا في تسارع تطوره وتنميته.