رسيني الرسيني
التحولات الاقتصادية لا تحدث دفعة واحدة، بل تتشكل عبر تراكمات هيكلية ورقمية تعيد رسم المشهد تدريجيًا، وحين ترتفع مساهمة الإيرادات غير النفطية في ميزانية المملكة لعام 2025م إلى نحو 45 % من إجمالي الإيرادات مسجلة حوالي 505 مليار ريال - وهو الرقم الأعلى تاريخيًا من حيث الحجم - فإن المسألة لا تتعلق برقم مالي فحسب، بل بإشارة هيكلية إلى أن الاقتصاد السعودي بدأ يعيد ترتيب مصادر قوته. فالميزانية في جوهرها مرآة للاقتصاد وما يتغير فيها يعكس ما يتغير في بنيته العميقة، ولو تدريجيًا، عبر مسار تراكمي يعزز الاستدامة المالية.
شكّلت الإيرادات غير النفطية ما يقارب نصف الإيرادات العامة في العام السابق، مدفوعة بنمو الإيرادات الضريبية، ورسوم الخدمات، والعوائد المرتبطة باتساع النشاط الاقتصادي. وقد تصدرت الضرائب على السلع والخدمات القائمة بنحو 294 مليار ريال، تلتها الضرائب على الدخل والأرباح بقيمة 34 مليار ريال، فيما بلغت الإيرادات الأخرى بحوالي 116 مليار ريال.
القراءة الأولية توحي بتقدم واضح في مسار تنويع مصادر الدخل، وهو هدف طالما ارتبط بالتحول الاقتصادي. غير أن الأرقام مهما بدت إيجابية، تحتاج إلى تفكيك هادئ يميز بين التحول الهيكلي الحقيقي وبين إعادة توزيع آثار الدورة النفطية داخل الاقتصاد.
جزء معتبر من الإيرادات غير النفطية لا ينفصل بالكامل عن النفط، بل يتحرك ضمن دائرة اقتصادية تبدأ بعوائده. فالإنفاق الحكومي الممول من النفط ينعكس في رواتب ومشاريع واستثمارات، ومنها تنشأ الضرائب والرسوم والنشاط التجاري. وحتى في القطاع الخاص، فإن نسبة من المشاريع الكبرى ترتبط بإنفاق تقوده الدولة أو بمبادرات مدعومة مالياً من فوائضها. وعليه، فإن بعض الإيرادات المصنفة «غير نفطية» تبقى مرتبطة بشكل غير مباشر بالمصدر النفطي عبر قناة الإنفاق العام، خصوصًا عندما يؤدي ارتفاع العوائد البترولية إلى توسع الإنفاق الحكومي بشكل ملحوظ.
غير أن هذه العلاقة لا تُضعف دلالة الرقم، بل تضعه في سياقه الطبيعي. فالاقتصادات الريعية لا تتحول بالقفز فوق مواردها، بل بإعادة توظيفها لبناء قطاعات موازية وأكثر تنوعًا. والتوازن المالي لا يعني إقصاء النفط من المعادلة، بل تقليل حساسية الميزانية لتقلباته، وبناء مصادر دخل داعمة تعزز الاستقرار وتوزع المخاطر. ومن هذه الزاوية، فإن بلوغ الإيرادات غير النفطية بحوالي نصف الميزانية يمثل خطوة مهمة في مسار اقتصاد أكثر توازنًا، خصوصًا إذا ما قورن بعام 2015م حين بلغت 166 مليار ريال، قبل أن تتجاوز 505 مليارات في 2025م، بارتفاع يفوق 200 % خلال عقد واحد.
حسنًا، ثم ماذا؟
يبقى النفط ركيزة أساسية لتحريك الركائز الأخرى -إن صح التعبير- إلا أن الخبر الجيد أنه لم يعد المصدر الوحيد الذي تتكئ عليه المالية العامة.