د.عبدالرحيم محمود جاموس
في زمن تتسارع فيه التحولات الإقليمية والدولية، يبرز الدور السعودي الثابت والداعم للقضية الفلسطينية، الذي لا يتغير بتغير الظروف أو تعاقب الأزمات، اللقاء الأخير بين الوفد الفلسطيني الرفيع المستوى برئاسة نائب رئيس دولة فلسطين حسين الشيخ، وبمشاركة رئيس المجلس الوطني الفلسطيني روحي فتوح، مع وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان آل سعود، يؤكد مجددًا عمق الشراكة الإستراتيجية بين الرياض وفلسطين، وثبات الموقف السعودي الداعم لحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة.
فمنذ عهد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، مرورًا بتعاقب أبنائه الملوك الذين رسَّخوا هذا النهج، ظل الموقف السعودي ثابتًا في دعمه للقضية الفلسطينية بوصفها القضية المركزية للأمة، وصولًا إلى عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود وولي عهده محمد بن سلمان آل سعود، حيث تواصل هذا الالتزام بثبات، مع تطوير أدواته السياسية والدبلوماسية بما يتلاءم مع تعقيدات المرحلة، دون أن يمس ذلك جوهر الموقف أو ثوابته.
وقد تعزَّز هذا المسار في محطات مفصلية، أبرزها طرح مبادرة السلام العربية، التي أعادت صياغة الموقف العربي ضمن رؤية متكاملة تقوم على مبدأ الأرض مقابل السلام، وتؤكد أن التسوية العادلة لا يمكن أن تتحقق دون إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة.
وما يمنح الدور السعودي خصوصيته لا يقتصر على الإمكانات السياسية والاقتصادية، بل يمتد إلى ما تمثّله المملكة من ثقل ديني ورمزي في العالمين العربي والإسلامي، ما يجعل موقفها من فلسطين مرجعية مؤثِّرة، وقادرًا على إعادة توجيه البوصلة في لحظات الارتباك الإقليمي.
لقد برزت السعودية كقائد لحراك دولي منظم، من خلال شراكتها مع فرنسا، لإعادة إحياء المسار السياسي على أساس حل الدولتين، وترجمة هذا التوجه إلى خطوات عملية، وقد تجسّد ذلك في الدفع نحو إعلان نيويورك، الذي شكّل إطارًا سياسيًا جامعًا لحشد الاعتراف الدولي بدولة فلسطين.
ولا تقتصر أهمية هذا التحرك على بعده الدبلوماسي، بل تمتد إلى كونه محاولة جدية لإعادة التوازن إلى المشهد الدولي، عبر تشجيع دول وازنة ومؤثّرة على اتخاذ خطوات ملموسة نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينية، بما يعزِّز فرص تجسيدها على الأرض، وينقل القضية من مربع الإدارة المؤقتة إلى أفق الحل النهائي القائم على الشرعية الدولية.
وبالتوازي مع ذلك، تواصل السعودية دعمها الإنساني والتنموي، خصوصًا في قطاع غزة، في ظل ما يواجهه من أزمات إنسانية مركبة، بما يعكس تكامل الأبعاد السياسية والإنسانية في مقاربتها للقضية الفلسطينية.
في المقابل، تعكس الرسائل التي نقلها الوفد الفلسطيني، بتكليف من الرئيس محمود عباس، إدراكًا متزايدًا لطبيعة هذا الدور، ولأهمية الشراكة مع السعودية بوصفها رافعة سياسية أساسية في المحافل الدولية.
ولا يقتصر هذا الإدراك على عبارات التقدير، بل يتجلَّى في مضمون الخطاب الفلسطيني الذي ربط بين دعم المملكة للقضية الفلسطينية، وبين التضامن الفلسطيني مع أمن واستقرار الدول العربية، في مواجهة التحديات الإقليمية، بما في ذلك التوترات الجارية في المنطقة.
وهو ما يعكس انتقالاً من منطق الاستقبال إلى منطق الشراكة، ومن الاعتماد إلى التفاعل المتبادل.
وفي عالم يعاد فيه تشكيل التحالفات وتُختبر فيه الثوابت، يكتسب الموقف السعودي من فلسطين أهمية مضاعفة، لأنه يقدم نموذجًا للسياسة التي تجمع بين الواقعية والالتزام، وبين المصالح والمبادئ.
إنه موقف يؤكد أن القضية الفلسطينية ليست عبئًا على السياسة العربية، بل معيار لصدقيتها، وأن الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني ليس خيارًا تكتيكيًا، بل التزام إستراتيجي طويل الأمد، يتجدد بأدواته دون أن يتخلَّى عن ثوابته.
خلاصة القول:
تظل العلاقة بين المملكة وفلسطين نموذجًا للشراكة السياسية والإنسانية المستدامة، التي صمدت أمام كل الاختبارات، وحافظت على جوهرها: دعم الحق الفلسطيني حتى تحقيق الاستقلال والسيادة الكاملة. وهذا الثبات السعودي يجعل من المملكة ركيزة أساسية لكل جهد دولي وعربي لتعزيز السلام والعدالة في المنطقة.
وفي زمن تتبدل فيه المواقف، يبقى الثبات السعودي عنصر توازن، وبوصلة سياسية، ورسالة واضحة بأن فلسطين ستظل حاضرة في الوعي العربي، وأن نضال شعبها لن يكون وحيدًا، ما دامت هناك دول، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، ترى في هذا النضال قضية عدلٍ لا تسقط بالتقادم.