م.عبدالمحسن بن عبدالله الماضي
1 - السردية التاريخية الإيرانية تقوم على أن إيران وريثة إمبراطورية كسرى التي قامت قبل ثلاثة آلاف سنة، وكان العرب حينها شعوباً تعيش على الرعي والترحال خلف الماء والكلأ، وكان الفرس يحكمون من يجاورهم من العرب.. ويُنصبون من يواليهم من العرب حكاماً على من يليهم من العرب.. هذا التاريخ الطويل ولد حالة من (الاستكبار) سميت بعد سقوط فارس وصعود الدولتين الأموية والعباسية (بالشعوبية)، وهي نظرة استعلائية يحقنون بها أبناءهم منذ الولادة، ويفسرون آية (الأعراب أشد كفراً ونفاقاً) أنها إقرار من الله تعالى بأن هذه صفات العرب وهي باقية فيهم حتى قيام الساعة، ولهذا يسمون العرب في أدبهم وملاحمهم الشعرية كالشاهنامة (تازي) وتعني السلاَّب الجَشع القاسي.
2 - يقدم الإيرانيون قصتهم أنهم أحفاد دولة كسرى الذين علَّموا العالم نسج السجاد، وتعلموا منه الصبر والحنكة والدهاء والتخطيط، ثم يلمزون جيرانهم العرب، ويتساءلون: أين أنتم منا يا رعاة الغنم الهائمون في الصحراء؟ مع أنهم يعرفون أننا من غير دينهم ولون شعر رؤوسهم، وحدقات أعينهم وحتى حروف لغتهم وأسماءهم.. كما ينسون أن النساجين المساكين يعملون منذ طفولتهم في نظام عمل استعبادي مقابل إطعامهم، بينما البدوي الراعي لغنمه في الصحراء لا يرعى سوى غنمه، ولا يصيد إلا لنفسه وأهله وضيوفه.
3 - يفاخر الإيرانيون بصبر وطول بال النساج الإيراني الذي يقضي سنوات أمام (النول) ينسج بصبر وأناة قطعة سجاد لن تطأها قدماه، بل تحملها يداه لسيده، ويلمز بذلك البدوي الذي يهيم في الصحراء تحت شمسها الحارقة خلف غنمه، وينسون أن ذلك النساج المسكين يعمل في غرفة ظليلة ليس حماية له، بل حماية للسجادة التي ينسجها.. كما ينسون أن صبر البدوي الذي يواجه نقص الماء والغذاء، وتهديد الهوام والدواب والوحوش في الصحراء وتحت شمس حارقة في الصيف وزمهرير البرد في الشتاء، لا تحتملها سوى الصخور، لكنه يرعى حلاله وحلال أهله بقدرة فائقة على التحمّل والصبر لا يطيقه نساج مستعبد.. كذلك ينسى الإيرانيون أن صبر البدوي صبر وجودي، صبر فيه أمام مواجهة ظرف المكان وظرف المناخ وظرف العدو الذي يرى فيه فريسة لنهب حلاله، بينما صبر النساج هو صبر المستعبد الذي لا حول له ولا قوة.
4 - واليوم يتهم الإيرانيون العرب بالرفاه والدعة، وأن النفط نبع من تحت أقدامهم فكساهم وأطعمهم دون جهد منهم وينسون أن الصحراء هي مختبر الرجولة، الذي زرع فيهم قيم الكرم وحماية الجار ورعاية الضيف وشرف الكلمة، وهي مختبر الشجاعة التي تحمي حياض الأهل بالروح قبل الذراع، وهي مختبر المرونة التي مكنته من العيش تحت ظروف لا يحتملها سوى الحجر، وهي مختبر القدرة على تجاوز المخاطر بعناد المعتد بنفسه الذي يضع كرامته قبل حياته، وهي مختبر التكافل والتكامل والتعاون الذي لا يقوم على المقايضة، بل على جود النفس واليد واللسان، وهي مختبر اليقظة والفطنة والحزم فهو لا ينام إلا كما ينام الذئب.
5 - العجيب أنه ورغم التقدم الكبير لعرب الجزيرة العربية، فإن النظرة الشعوبية لدى الإيرانيين ما زالت قائمة، وأثق بأن الزمن كفيل بأن يبدد الغشاوة عن أعينهم، ويدركوا أن أحفاد البدو الذين أطاحوا بدولتهم قبل ألف وأربعمائة سنة، هم اليوم بدو متعلمون متقدمون، يسعون إلى إعادة بناء حضارتهم السالفة.