صالح الشادي
عندما أقف متأملاً مسار جي دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، لا أملك إلا أن أشعر بالدهشة من ذلك التناقض الخلاق الذي يشكله مع الرئيس دونالد ترامب. فبينما يجسد ترامب الاندفاع النرجسي، والحدس الصفقاتي، واللغة الهجومية المباشرة، يأتي فانس بهدوء المثقف، واتزان المحامي، ودفء الإنسان الذي عاش التفكك الأسري والفقر المدقع في «أبالاشيا». إنهما، رغم التناقض التام في الطباع والأسلوب، يشكلان ثنائياً متكاملاً ربما يكون الأكثر تأثيراً في المشهد السياسي الأميركي اليوم.
فانس، الذي ولد عام 1984 في أوهايو، لم يولد وفي فمه ملعقة من ذهب، بل عاش طفولة قاسية بين أم مدمنة وجدة متسلطة، ومنطقة مزقتها البطالة وإدمان الأفيون. لم يكن الطريق مفروشاً له بالورود؛ بدأ عريفاً في مشاة البحرية، ثم وجد نفسه في العراق كصحفي عسكري، يراقب الموت عن كثب ويكتب ما يراه بعين شاعرية لم تفارقه لاحقاً. بعد الخدمة، دخل الجامعة ثم كلية القانون، حيث درس باجتهاد وعشق امرأة هندية تدعى أوشا، تختلف دينياً وثقافياً، لكنه تزوجها رغم كل التحذيرات. لم تكن تلك مجرد قصة حب، بل كانت تجسيداً للحلم الأميركي ذاته: القدرة على تجاوز الخلفيات والتقاطع عند الإنسانية المشتركة.
عمل فانس كاتباً للقضاة، ثم محامياً في شركات كبرى، ثم انتحى نحو الاستثمار في وادي السيليكون، قبل أن يعود إلى جذوره السياسية. في كتابه «مرثية هيلبيلي»، الذي تحول لاحقاً إلى فيلم، رسم صورة مؤثرة لأمريكا المنسية، ليس كأكاديمي بارد، بل كشاعر حزين يحن إلى عالم كان جميلاً رغم قسوته. ذلك الكتاب جعله صوتاً لأمريكا البيضاء العاملة، لكنه جعله أيضاً جمهورياً معادياً لترامب، إذ وصفه علناً بـ»هتلر أميركا» وانتقد أسلوبه الفج. ثم حدث التحول.
روى المقربون أن أبناء ترامب وإيلون ماسك وعدداً من الشخصيات المحافظة أقنعوه بأن ترامب ليس مجرد نرجسي متعجرف، بل هو أداة ضرورية لإحياء أميركا من وجهة نظرهم. فانس، الذي يعرف كيف يقرأ المعادلات، أدرك أن النفوذ الحقيقي لا يأتي من المعارضة الشاعرية، بل من المشاركة في اللعبة. انضم إلى ترامب، واعتذر عن تصريحاته السابقة، وأصبح أحد أكثر المدافعين شراسة عن أجندته. لكنه لم يتحول إلى نسخة مكررة من ترامب؛ بل احتفظ بهدوئه، وصار النائب المطيع الذي يوازن حدة الرئيس بلطفه، ويكمل اندفاعية ترامب بحسابات العقل البارد.
مؤخراً، برز فانس كلاعب رئيسي في السياسة الخارجية لإدارة ترامب، حيث كان ترامب يهدد ويصدم، كان فانس يشرح ويدافع، بلغة دبلوماسية تخفف من حدة التصادم، دون أن تخون الجوهر الهجومي للسياسة الأميركية الجديدة. إنهما يؤديان دور الرجل الصلب والرجل الناعم، أو الشرطي الجيد والشرطي السيئ، لكن على المسرح العالمي.
ما يثير اهتمامي حقاً هو مستقبل هذا الرجل. فانس يحمل في جعبته ما لا يملكه ترامب: تجربة إنسانية عميقة، صعد من الحضيض إلى القمة، وعاش حياة الجندي والصحفي والمحامي والمستثمر والفقير والأرستقراطي بالتبني. لديه لغة أدبية راقية، وفهم لوسائل الإعلام، وقدرة على سرد القصص تلامس القلوب قبل العقول. كل ذلك يجعله مرشحاً ليكون وريثاً شرعياً للتيار الترامبي، لكن بنكهة أكثر استدامة وقبولاً.
قد نختلف مع سياساته، وقد ننتقد تحوله من ناقم على ترامب إلى نائبه المخلص، لكن من الإنصاف أن نعترف: جي دي فانس ليس مجرد ظل للرئيس، بل هو تجسيد لتناقضات أميركا العميقة، وشخصية تستحق التوقف أمامها طويلاً. في عالم يميل إلى الاستقطاب الحاد، يثبت فانس أن النجاح أحياناً لا يكون في التشبه بخصمك، بل في أن تكون نقيضه تماماً، لأن التناقض التام، كما يراه العارفون، هو أكمل صور التكامل.