د. طلال الحربي
ثمة جهة حكومية لا يعرفها كثيرون بالاسم، لكنهم يلمسون أثرها في كل لحظة من حياتهم اليومية؛ حين يملأون خزانات سياراتهم بالوقود، وحين يدفعون فاتورة الكهرباء، وحين يضعون طعاماً على مائدتهم، أو يشترون جهازاً كهربائياً لمنازلهم. الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس والجودة حاضرة في كل هذا وأكثر، صامتةً كعادة الحُرَّاس المخلصين، لكنها يقظة لا تغفل.
تتمحور رسالة هذه الهيئة حول قيادة المنظومة الوطنية للبنية التحتية للجودة من خلال شراكات فاعلة وخبرات فنية وخدمات متميزة، وترنو برؤيتها نحو أفق أبعد من مجرد الرقابة؛ إذ تطمح إلى الريادة العالمية في هذا المجال، وهي ريادة لا تُبنى بين عشية وضحاها، بل تتشكّل يوماً بعد يوم عبر عمل دؤوب، وقيم راسخة تجمع بين الإتقان والشفافية والتكامل والموثوقية والابتكار.
المملكة العربية السعودية بلدٌ شاسع الأرجاء، تتدفق إليه البضائع من أصقاع الأرض، من كل اتجاه ومن كل ثقافة صناعية، من السيارة الفارهة إلى الإبرة الدقيقة. وفي هذا الزخم التجاري الهائل يكمن التحدي الحقيقي: كيف تضمن أن كل ما يصل إلى يد المواطن والمقيم على هذه الأرض الطيبة يستحق الثقة؟ هنا تقف هيئة المواصفات والمقاييس والجودة بكل ثقلها المؤسسي، لتكون خط الأمان الذي لا يُخترق. وبتوجيهات رئيس مجلس الإدارة وجهود معالي المحافظ، انطلقت الهيئة في مسار متسارع نحو تحقيق أهدافها، متسلّحةً بدعم لا محدود من القيادة الرشيدة التي لم تألُ جهداً في رفد مؤسسات الدولة بكل ما يُعينها على النهوض؛ وهو دعم يزيد منسوبي الهيئة إصراراً على أن تكون المؤسسة كما أُريد لها: راعية للجودة وحارسة للمستهلك ورافداً حقيقياً للاقتصاد الوطني. ولا يبقى ذلك كله في دائرة الطموح والتصريح، بل ترجمته الهيئة إلى منجزات ملموسة تتحدث عن نفسها بالأرقام. فضمن برنامج التحول الوطني، أطلقت الهيئة برنامج سلامة المنتجات الذي أحدث نقلة نوعية في مستوى مطابقة البضائع المتداولة في أسواق المملكة؛ إذ قفز معدل المطابقة من 57.3 % عام 2016 إلى 84.20 % بنهاية عام 2024، وهو رقم يعكس تحولاً جوهرياً في واقع السوق لا مجرد تحسّن إداري. وعبر منصة “سابر” التي باتت عنوان التحول الرقمي في هذا القطاع، سُجِّل أكثر من 7.5 مليون منتج، وصدر ما يزيد على 5 ملايين شهادة مطابقة وإرسالية، لتغدو هذه المنصة بوابةً إلكترونية تحرس جودة ما يدخل السوق قبل أن تطأه يد المستهلك.
وفي سياق متصل، لم تكتفِ الهيئة بمراقبة المنتجات وحدها، بل امتدت عينها إلى أدوات القياس ذاتها التي يقوم عليها التبادل التجاري. فمبادرة المعايرة القانونية “تقييس” أرست إطاراً شاملاً لتنظيم عمليات المعايرة في القطاعين الخاص والعام، وشملت مضخات الوقود والموازين وعدادات الكهرباء والمياه وأجهزة قياس السرعة وعدادات سيارات الأجرة، في رسالة واضحة مفادها: لن يُغشَّ السعودي في كيل ولا وزن ولا قياس. وجاءت الأرقام لتؤكد الأثر: 83,428 مضخة وقود خضعت للمعايرة، و23,415 ميزاناً، وأكثر من 2.1 مليون عداد كهرباء، و278,384 عداد مياه، وكلها الآن تعمل بدقة يُثق بها.
أما على صعيد دعم الصناعة الوطنية، فقد أدركت الهيئة أن الجودة لا تبدأ عند بوابة الاستيراد فحسب، بل تنبثق من داخل المصنع السعودي ذاته. لهذا أطلقت في عام 2022 مبادرة لدعم المصنّعين المحليين وتوعيتهم بمزايا البنية التحتية للجودة، وأعدّت خارطة طريق تضمّنت 150 برنامجاً للاستشارات والتوعية موجّهاً لعدد مماثل من المنشآت الصناعية. وازت ذلك مبادرة لتطوير مختبرات الفحص والمعايرة، تستهدف إنشاء مختبرات مرجعية تخدم الصناعات الأساسية والعسكرية وصناعات الأغذية والمشروبات ومنتجات الحلال، لسدّ الفجوة الكبيرة التي طالما عانى منها المصنّع المحلي في هذا الجانب. ولم تنسَ الهيئة أن تبني الإنسان قبل أن تبني المؤسسة؛ فمبادرة بناء القدرات المؤسسية للجهات القائمة على المواصفات والمقاييس الصناعية حشدت جهات حكومية عديدة في دورات تدريبية متخصصة؛ ففي مرحلتها الأولى استهدفت 14 جهة حكومية وشارك فيها 2,308 مشتركين، وفي مرحلتها الثانية اتسع النطاق ليشمل 19 جهة و3,457 مشتركاً، في مسعى واضح نحو بناء كفاءات وطنية قادرة على حمل راية الجودة بجدارة.
إن الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس والجودة ليست مجرد جهة رقابية تُصدر اشتراطات وتتعقّب المخالفين، بل هي شريك فاعل في رؤية 2030 وأحد أعمدتها الخفية التي تحمل صرحاً اقتصادياً يُراد له أن يكون بمستوى الطموح السعودي. وحين يصل المملكةَ منتجٌ يحمل علامة المطابقة السعودية، فذلك ليس مجرد ختم ورقي؛ إنه وعد بأن هذه الأرض لا تقبل لأبنائها وضيوفها إلا الأفضل.