صبحي شبانة
... في زمنٍ تتشابك فيه خرائط النفوذ، وتتعقّد فيه مسارات الصراع، لم تعد المواقف تحتمل التردد أو الالتباس ولا اللغة الرمادية، فالأحداث الكبرى لا تنتظر من يقف في منتصف الطريق، بل تفرض على الجميع اختبارًا قاسيًا في وضوح الرؤية وصلابة الاختيار، وبين ضجيج الشعارات وحقائق الواقع، تتكشف المواقف على حقيقتها، ويصبح الصمت أو التردد موقفًا بحد ذاته، يكلّف صاحبه مصداقيته وعروبته.
وفي اللحظات الفاصلة من تاريخ الأمم، لا تُقاس صلابة الدول بقدرتها على إدارة المعارك وحدها، بل بقدرة نخبها على إدراك طبيعة اللحظة، وتحديد موقعها منها بوعيٍ لا يضل الطريق، وببصيرةٍ لا تضللها الأوهام، وفي خضم التصعيد الراهن، حيث تتقاطع خطوط المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بدا المشهد العربي في بعض تجلياته النخبوية وكأنه يعاني من حالة التباس مركّب، تتداخل فيها الحسابات الأيديولوجية مع الإرث السياسي، وتتشابك فيها المواقف حتى تكاد تفقد قدرتها على التمييز بين الخطر الحقيقي والخصومة الطارئة.
هذا الالتباس لا يُقرأ بوصفه اختلافًا صحيًا في وجهات النظر، بل كعرضٍ لأزمة أعمق في بنية الوعي السياسي لدى بعض النخب العربية، التي لم تستطع حتى الآن أن تحرر نفسها من ثنائية قديمة تختزل العالم في معسكرات متقابلة، وتتعامل مع كل صراع بوصفه امتدادًا لهذه الثنائية، دون أن تُخضعه لمقتضيات الواقع ومتغيراته، ومن هنا، تبدو بعض المواقف وكأنها تُعيد إنتاج قراءات قديمة، في لحظةٍ تحتاج إلى أدوات فهم جديدة، وإلى قدرة على الفصل بين ما هو مبدئي وما هو إستراتيجي.
لقد كشفت الحرب الدائرة، بما حملته من رسائل مباشرة وغير مباشرة، أن الخطر الذي تمثله السياسات الإيرانية في المنطقة لم يعد محل تأويل أو اجتهاد، فالمسألة لم تعد مرتبطة بخلاف سياسي عابر، أو تنافس إقليمي يمكن احتواؤه ضمن قواعد الاشتباك التقليدية، بل باتت تتعلق بمشروع ممتد، يسعى إلى إعادة تشكيل موازين القوى في منطقة الشرق الأوسط عبر أدوات متعددة، تبدأ من التغلغل السياسي ولا تنتهي عند حدود التهديد العسكري المباشر، وفي هذا السياق، تصبح دول الخليج في قلب هذا الاستهداف، لا بوصفها طرفًا في صراع اختياري، بل بوصفها هدفًا رئيسًا في معادلة النفوذ.
ومع ذلك، فإن ما يثير الدهشة وربما القلق هو أن بعض النخب العربية لا تزال تتعامل مع هذا الواقع بقدرٍ من الانتقائية في الإدراك، فتُدين نتائج الأزمة دون أن تتوقف طويلًا عند أسبابها، وتنتقد ردود الفعل دون أن تُخضع الفعل الأصلي لنفس القدر من النقد، وهنا يتبدى التناقض في أوضح صوره، إذ كيف يمكن لنخبةٍ تدّعي الدفاع عن السيادة الوطنية أن تتغافل عن انتهاكاتٍ صريحة لهذه السيادة في أكثر من ساحة عربية، وكيف يمكن لخطابٍ يرفع شعارات الاستقلال والقومية العربية أن يُبقي على مسافة رمادية من مشروع يقوم في جوهره على تقويض هذا الاستقلال.
إنّ هذا التناقض لا ينشأ من فراغ، بل يرتبط في جانب منه بإرثٍ طويل من سوء الفهم لطبيعة التحالفات الدولية، وبنزعةٍ دائمة إلى تفسير كل تحرك في المنطقة من زاوية واحدة، غالبًا ما تُحمّل القوى الغربية المسؤولية الكاملة عن كل ما يجري، دون أن تُخضع الفاعلين الإقليميين لنفس ميزان المحاسبة، وبذلك، تتحول بعض النخب دون أن تدري إلى أسيرةٍ لروايةٍ أحادية، تفقد معها القدرة على قراءة المشهد في تعقيداته الحقيقية.
غير أن اللحظة الراهنة لا تحتمل هذا النوع من الاختزال، فالتحديات التي تواجه المنطقة اليوم ليست مجرد انعكاس لصراع دولي، بل هي في جوهرها نتاج تفاعلات إقليمية معقدة، تلعب فيها السياسات الإيرانية دورًا محوريًا في زعزعة الاستقرار، سواء عبر دعم جماعات مسلحة، أو عبر تهديد الممرات الحيوية، أو عبر محاولة فرض وقائع جديدة على الأرض تتجاوز منطق الدولة الوطنية، ومن ثم، فإن التعامل مع هذه التحديات يقتضي وضوحًا في الموقف، لا يحتمل الوقوف في المنطقة الرمادية.
إنّ الاصطفاف إلى جانب دول الخليج في مواجهة هذه التهديدات لا ينبغي أن يُفهم بوصفه انحيازًا سياسيًا ضيقًا، بل كخيار إستراتيجي تمليه حقائق الجغرافيا ومقتضيات الأمن القومي العربي، فهذه الدول، بما تمثله من ثقل اقتصادي وموقع جيوسياسي، ليست مجرد أطراف في معادلة إقليمية، بل ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة بأسرها، وأي اهتزاز في أمنها لا ينعكس عليها وحدها، بل يمتد أثره إلى عمق العالم العربي، بل وإلى الاقتصاد العالمي الذي يعتمد إلى حدٍ كبير على استقرار هذه المنطقة الحيوية من العالم.
ومن هنا، فإن الدعوة إلى موقف عربي موحد لا تنطلق من منطلق عاطفي أو شعاراتي، بل من إدراكٍ عقلاني بأن التحديات المشتركة تتطلب استجابات مشتركة، فالمنطقة لم تعد تحتمل رفاهية الانقسام، ولا تملك ترف الانتظار حتى تتضح النتائج، بل إن طبيعة التهديد تفرض تحركًا، يقوم على التنسيق والتكامل، وعلى بناء موقف واضح لا يترك مجالًا للالتباس.
ولعل ما يزيد من أهمية هذا الطرح أن دول الخليج وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية لم تتعامل مع التحديات الإقليمية بمنطق المواجهة فقط، بل سعت، في أكثر من موقف، إلى تقديم رؤى للحل، تقوم على التهدئة، وعلى فتح مسارات للحوار، وعلى البحث عن تسويات تضمن استقرار المنطقة، غير أن هذه المبادرات كانت في كثير من الأحيان تُقابل بتصعيد من الطرف الآخر، ما يعكس فجوة واضحة بين من يسعى إلى الاستقرار، ومن يوظف الأزمات لتعزيز نفوذه.
إنّ النخب العربية، وهي تراقب هذا المشهد، مطالبة اليوم بأن تعيد النظر في أدواتها التحليلية، وأن تتحرر من القيود الأيديولوجية التي تعوق قدرتها على رؤية الواقع كما هو، لا كما ترغب أن يكون، فالمسؤولية الفكرية تقتضي أن يكون الموقف مبنيًا على قراءة دقيقة للمعطيات، لا على انحيازات مسبقة، وأن يكون منحازًا إلى الاستقرار، لا إلى الفوضى، وإلى الدولة الوطنية، لا إلى مشاريع عابرة للحدود.
في النهاية، لا يمكن للنخب أن تظل في موقع المتفرج، أو أن تكتفي بإنتاج خطابٍ ملتبس يُرضي الجميع ولا يحسم شيئًا، فزمن المراوغات في المناطق الرمادية قد ولّى، والمرحلة الراهنة تفرض وضوحًا في الرؤية، وجرأة في الموقف، وقدرة على تسمية الأشياء بأسمائها، وحين يكون الخطر واضحًا بهذا القدر، فإن التردد في مواجهته لا يُعد حكمة، بل يصبح شكلًا من أشكال القصور في إدراك طبيعة اللحظة، إنها لحظة اختبار حقيقية، ليس فقط لقدرة الدول على حماية أمنها، بل لقدرة النخب على أن تكون في مستوى المسؤولية التاريخية، فإما أن تنحاز إلى وضوح الخطر وتتبنى موقفًا ينسجم مع مقتضيات الأمن القومي العربي، وإما أن تبقى أسيرة تناقضاتها، فتفقد دورها وتأثيرها في لحظة هي أحوج ما تكون فيها إلى الوضوح والحسم.