محمد عبدالحميد السطم
في سياق الدول الخارجة من النزاعات، غالبًا ما تتجه الأنظار إلى السياسة والاقتصاد بوصفهما المدخلين الرئيسيين للاستقرار، غير أن التجارب الحديثة تشير إلى أن بناء الدولة لا يكتمل دون إعادة تأسيس مؤسساتها الخدمية والأمنية، وفي مقدمتها منظومات الاستجابة للطوارئ وإدارة الكوارث. وفي هذا السياق، تأتي زيارة وزير الطوارئ والكوارث السوري إلى المملكة العربية السعودية، لتكشف عن مسار مختلف في مقاربة إعادة بناء الدولة السورية، يقوم على نقل الخبرة المؤسسية وتطوير القدرات، بدلًا من الاكتفاء بأنماط الدعم التقليدية. فالاطلاع على تجربة المديرية العامة للدفاع المدني، وزيارة مراكز العمليات المتقدمة، واستكشاف آليات إدارة الكوارث والاستجابة السريعة، بل يعكس توجهًا أوسع نحو نقل نموذج مؤسسي متكامل، تسعى من خلاله السعودية إلى الإسهام في تطوير بنية الاستجابة للطوارئ في سوريا، بما يعزز من قدرة الدولة على حماية مواطنيها، ويؤسس لمرحلة يتداخل فيها البعد الإنساني مع متطلبات الاستقرار طويل الأمد.
تندرج زيارة وزير الطوارئ والكوارث السوري رائد الصالح إلى المملكة العربية السعودية ضمن إطار التعاون الفني، بما يشمله من الاطلاع على تجارب الدفاع المدني وأنظمة الاستجابة للكوارث. غير أن اختزال هذا التحرك في بعده التقني يغفل دلالاته الأعمق، إذ يكشف عن انتقال تدريجي في طبيعة الانخراط السعودي في سوريا، من دعم القطاعات العامة إلى المساهمة في إعادة تشكيل البنية المؤسسية للدولة.
فالتركيز على منظومات الطوارئ ليس تفصيلًا قطاعيًا، بل اختيارًا يعكس فهمًا لطبيعة الدولة الحديثة، حيث تمثل القدرة على إدارة الأزمات وحماية الأرواح أحد أهم معايير الفاعلية والسيادة. وفي السياقات الخارجة من النزاعات، تكتسب هذه الوظيفة أهمية مضاعفة، إذ تتحول مؤسسات مثل الدفاع المدني إلى أدوات لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، واستعادة الإحساس بوجود سلطة قادرة على الحماية والاستجابة.
ومن هنا، يعكس الانفتاح السوري على التجربة السعودية في هذا المجال مسارًا أوسع يستهدف إعادة تأسيس الدولة من خلال تقوية مفاصلها التشغيلية، بما يشير إلى تحول في مقاربة إعادة الإعمار من التركيز على المخرجات المادية إلى بناء القدرات المؤسسية.
كما يعكس هذا التوجه تحولًا أوسع في أدوات السياسة الخارجية للمملكة، حيث بات نقل الخبرة وبناء القدرات جزءًا من مقاربة أكثر شمولًا في إدارة الملفات الإقليمية، بدلًا من الاقتصار على الدعم المالي أو الإغاثي، مع التوجه نحو تقديم نماذج تشغيلية متكاملة تقوم على التدريب والتأهيل ونقjل المعرفة.
لذلك، تكتسب زيارة الوفد السوري بعدًا يتجاوز التعاون الفني، ضمن توجه يسعى إلى ترسيخ نمط جديد من الشراكات يقوم على الاستثمار في الإنسان والمؤسسة معًا، بدلًا من خلق أنماط اعتماد طويلة الأمد. ويعكس تطوير قدرات الكوادر السورية في مجالات الإنقاذ وإدارة الكوارث انتقالًا من منطق «المساعدة» إلى منطق «التمكين».
وبهذا المعنى، يصبح نقل الخبرة أداة سياسية، ليس بوصفه وسيلة للتأثير المباشر، بل كآلية لتعزيز كفاءة مؤسسات الدولة وقدرتها على الاستجابة.
الدفاع المدني: مدخل غير تقليدي للاستقرار
في الأدبيات التقليدية لإعادة الإعمار، غالبًا ما يُنظر إلى البنية التحتية والقطاعات الاقتصادية بوصفها الأولوية الأولى. غير أن التجارب الحديثة تشير إلى أن استعادة الثقة بالدولة تبدأ من قدرتها على حماية مواطنيها والاستجابة لمخاطرهم اليومية. فمؤسسات الطوارئ، وعلى رأسها الدفاع المدني، لا تقتصر وظيفتها على التعامل مع الحرائق أو الحوادث، بل تمتد إلى إدارة الأزمات وتقليل الخسائر، وهو ما يعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس الثقة والفاعلية. ومن هنا، فإن الاستفادة من التجربة السعودية في هذا المجال تمثل مدخلًا لإعادة تعريف أولويات التعافي في سوريا، بحيث تصبح القدرة على الاستجابة جزءًا أساسيًا من عملية بناء الدولة، لا مرحلة لاحقة لها.
وفي امتداد هذا التحول في طبيعة إدارة الطوارئ لم يعد التعامل مع الكوارث قائمًا على الجاهزية البشرية لوحدها، بل بات يعتمد على أنظمة ذكية ومراكز قيادة متقدمة. وفي هذا السياق، يكتسب الاطلاع على التجربة السعودية أهمية خاصة، في ظل ما تتضمنه من تقنيات حديثة في إدارة البلاغات، ومراكز عمليات موحدة، وتوظيف للذكاء الاصطناعي في دعم الاستجابة.
هذا التحول من الاستجابة التقليدية إلى الإدارة الذكية يمثل نقلة في مفهوم الحوكمة، حيث تصبح القدرة على التنبؤ بالمخاطر وإدارتها عنصرًا من عناصر كفاءة الدولة.
من الاقتصاد إلى المؤسسات.. اكتمال مسار الدور السعودي
يمكن قراءة هذا التحرك في سياق أوسع للدور السعودي في الملف السوري، الذي مر بمراحل متدرجة بدأت بالدعم الإنساني، ثم الانخراط الاقتصادي، وصولًا إلى مرحلة بناء القدرات المؤسسية. وإذا كانت المرحلة الأولى قد استهدفت التخفيف من التداعيات المباشرة للأزمة، وأسهمت المرحلة الثانية في تحريك بعض القطاعات الحيوية، فإن المرحلة الحالية ترتبط بشكل أوضح بإعادة تشكيل وظائف الدولة نفسها.
فالاهتمام بالمؤسسات الحيوية يتصل مباشرة بقدرة الدولة على الاستجابة والتخطيط وإدارة الموارد، وهي عناصر أساسية لأي استقرار مستدام. كما يعكس هذا التوجه مقاربة تراكمية تقوم على الربط بين المسارات الاقتصادية والمؤسسية، ضمن رؤية تتعامل مع التعافي بوصفه عملية متكاملة، لا مجموعة خطوات منفصلة.
وفي هذا السياق، يبرز الاستثمار في القطاعات المرتبطة بإدارة الأزمات كجزء من إعادة بناء منظومة الدولة على أسس أكثر كفاءة ومرونة، بما يعزز قدرتها على التعامل مع التحديات المستقبلية. وهو ما يشير إلى انتقال في طبيعة الدور السعودي، نحو الإسهام في بناء نموذج أكثر استقرارًا واستدامة للدولة السورية.
هذا النوع من الزيارات يأتي في سياق يشير إلى تنامي الانفتاح بين سوريا والمملكة العربية السعودية، حيث تتجه العلاقة بين الجانبين نحو مسارات أكثر ارتباطًا بالتعاون العملي وتبادل الخبرات في القطاعات ذات الطابع الخدمي والتشغيلي.
وفي هذا الإطار، يبرز الحضور السعودي بوصفه جزءًا فاعلًا من هذا الانفتاح، من خلال التركيز على مجالات ترتبط مباشرة بتطوير الأداء المؤسسي وتعزيز الكفاءة التشغيلية، وهو ما يعكس طبيعة المقاربة التي تعتمد على نقل الخبرات العملية وتوظيفها في بيئات مختلفة وفق احتياجاتها.
كما يشير هذا المسار إلى أن العلاقات بين البلدين تتجه نحو مستويات أكثر تخصصًا في التعاون ضمن مجالات عملية ذات أثر مباشر، بما يتيح بناء أرضية مشتركة للتعامل مع التحديات المرتبطة بتطوير القطاعات الحيوية وتحسين جاهزيتها.