د. الجوهرة بنت فهد الزامل
تشهد جامعة الملك سعود تحولًا في آلية القبول، وما تبعه من إعادة تنظيم للبرامج الأكاديمية في بعض الكليات، بما في ذلك كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، حيث لم يُدرج قسم الدراسات الاجتماعية، الذي يشمل تخصصي الخدمة الاجتماعية وعلم الاجتماع، ضمن البرامج المتاحة، التي اقتصرت على بعض التخصصات مثل علم المعلومات والإعلام. ويُعد هذا التغيير تنظيمًا للبرامج الأكاديمية وليس إلغاءً للتخصصات، إلا أنه فتح نقاشًا أوسع حول أثر هذه التحولات على بنية التخصصات ومساراتها المهنية، ودور العلوم الإنسانية والاجتماعية ضمن الهيكل الأكاديمي للجامعة.
لا يزال تخصص الخدمة الاجتماعية معتمدًا أكاديميًا حتى عام 2027م من المركز الوطني للتقويم والاعتماد الأكاديمي، كما تستمر برامج الدراسات العليا، مما يؤكد أن التخصص قائم من حيث التأهيل العلمي، وأن التوجه الحالي يرتبط بإعادة تنظيمه لا إلغائه.
يمتد أثر تخصص الخدمة الاجتماعية، بوصفه أحد التخصصات ذات الطابع التطبيقي في قطاع التنمية الاجتماعية، إلى مجالات متعددة تشمل التعليمي، والطبي، والتأهيلي، والأسري والحماية، والمجتمعي، للفئات الأكثر احتياجًا، ويحظى بطلب مجتمعي حقيقي مدعوم بأهداف التنمية الاجتماعية في رؤية المملكة 2030.
وعلى الرغم من أن المثال الحالي يركز على تخصص الخدمة الاجتماعية، فإن النموذج المقترح قابل للتعميم على باقي تخصصات العلوم الإنسانية والاجتماعية التي تأثرت بالتعليق في الكلية. كما يمكن الاستفادة منه في تخصصات إنسانية أخرى تُدرس في كليات مختلفة مثل علم النفس، بل يمتد ليشمل جوهر العلوم الإنسانية ككل، بما يحافظ على قيمتها المعرفية والفلسفية مع ربطها بمتطلبات الواقع.
إن إعادة تنظيم التعليم الجامعي بحيث يبدأ بتأسيس معرفي عام قوي قبل الانتقال إلى التعليم التخصصي التطبيقي يعكس جوهر فلسفة التعليم الجامعي، إذ يمنح الطالب قاعدة معرفية عميقة في الجوانب الإنسانية والثقافية والاجتماعية، ويسهم في تنمية التفكير النقدي والقدرة على التحليل واتخاذ القرار بوعي، كما يتيح انتقالًا أكثر نضجًا إلى المسارات التخصصية التي تجمع بين الجوانب النظرية والتطبيق العملي.
وفي هذا السياق، لا يمكن فهم واقع التخصصات الإنسانية بمعزل عن تطور البنية الأكاديمية في التعليم الجامعي بالمملكة. حيث تعد جامعة الملك سعود، أول جامعة في المملكة العربية السعودية وقد تأسست عام 1377هـ (1957م) وبدأت بكلية الآداب التي تُعرف اليوم بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية ما يعكس الارتباط المبكر للتعليم الجامعي في المملكة بالعلوم الإنسانية والاجتماعية.
وعلى امتداد مسيرتها، أسهمت هذه التخصصات في قراءة التحولات الاجتماعية والثقافية ومواكبة مسارات التنمية، بما يعكس دورها في إنتاج المعرفة والمساهمة العملية في فهم الواقع الاجتماعي ودعم السياسات التنموية، مما منحها حضورًا راسخًا ضمن البنية الأكاديمية للجامعة، وجعلها أحد المكونات التي تشكّلت عبرها هويتها العلمية عبر العقود.
يثير هذا التعديل تساؤلاً مشروعاً حول اتساق الهوية الأكاديمية؛ إذ لا يزال مسمى كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية قائمًا، في حين أن أهم تخصصاته الأصيلة، وفي مقدمتها الخدمة الاجتماعية وعلم الاجتماع، تواجه تحديات تتعلق بالتقليص أو التعليق، وهو ما يطرح إشكالية في التوازن بين المسمى والمحتوى العلمي.
فهذه التخصصات تمثل جوهر العلوم الإنسانية، إلى جانب مجالات رئيسة مثل علم النفس وغيرها، وتشكل منظومة معرفية متكاملة تُعنى بفهم الإنسان والمجتمع. كما أن مهنًا مثل الخدمة الاجتماعية والقانون تُعد من المهن الإنسانية الأساسية التي لا يمكن تقليص دورها دون تأثير مباشر على البنية المجتمعية.
ومن هنا، فإن الحفاظ على هذه التخصصات لا يُعد خيارًا أكاديميًا فحسب، بل ضرورة للحفاظ على التوازن المعرفي والوظيفي داخل الجامعة، بما يتسق مع متطلبات الاعتماد الأكاديمي محليًا ودوليًا.
وفي ضوء ذلك، تتجه الإشكالية إلى كونها إشكالية تنظيم وربط مؤسسي، أكثر من كونها إشكالية في جوهر التخصص نفسه.
ويأتي هذا الطرح في إطار دعم التطوير التنظيمي للتخصصات، وليس تقليلًا من الجهود الأكاديمية القائمة.
وفي هذا الإطار، يتطلب تطوير التخصصات الإنسانية والاجتماعية تمييزًا واضحًا بين الأدوار؛ حيث تقع على الجامعات مسؤولية التعليم وضبط جودة البرامج وتطوير مخرجاتها بما يتوافق مع متطلبات التنمية المستدامة، بينما تقع مسؤولية تنظيم سوق العمل وتوفير الفرص الوظيفية على جهات أخرى، وفي مقدمتها وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية. ومن هنا، يجب أن يُقيَّم أي برنامج أكاديمي على جودة مخرجاته وكفاءته المهنية، لا على مؤشرات التوظيف وحدها، إذ إن أي خلل في التوظيف يتطلب شراكة إستراتيجية بين الجامعة والجهات المنظمة لسوق العمل، لا تحميل البرنامج الأكاديمي مسؤولية ما يتجاوز نطاقه.
وفي هذا السياق، يأتي هذا التوجه متسقًا مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 التي تؤكد على بناء رأس المال الاجتماعي، مما يجعل إعادة هيكلة تخصصات العلوم الإنسانية والاجتماعية ضرورة إستراتيجية لتحقيق التنمية المستدامة. كما أن التحدي لا يقتصر على الجوانب التنظيمية، بل يرتبط بطبيعة هذه العلوم نفسها، التي تتداخل مجالاتها ويصعب قياس مخرجاتها بدقة، خاصة في ظل التحول العالمي من التعليم النخبوي إلى الجماهيري وضغوط التوظيف، وهو ما يستدعي تطوير نماذج أكثر تكاملًا تجمع بين العمق المعرفي والكفاءة المهنية.
وفي الممارسات الدولية المعتمدة، مثل معايير Council on Social Work Education (CSWE) وQuality Assurance Agency (QAA)، يُستخدم تعليق البرامج كأداة مؤقتة ضمن عملية تحسين واضحة، ترتبط بخطة تطوير زمنية محددة ومؤشرات أداء قابلة للقياس، بما يضمن تحول التعليق إلى فرصة للتطوير لا إلى حالة عدم استقرار.
كما أن التحدي لا يرتبط بجوهر التخصص، بل بمواءمة أعداد القبول مع الاحتياج الفعلي، إذ قد يؤدي التوسع غير المنضبط إلى مخرجات تفوق الطلب، مما يضعف جودة التخصص ويؤثر على كفاءة مخرجاته.
يتمثل الحل الإستراتيجي في إعادة بناء الخدمة الاجتماعية كنظام مهني متكامل يجمع بين الأساس المعرفي والتطبيق العملي، وذلك من خلال أربعة محاور رئيسة:
أولًا: تعزيز ربط المسارات التخصصية بالتدريب الميداني القائم، الذي يمتد لسنة كاملة عبر مسارات (تعليمي، طبي، تأهيلي)، مع دعمه بمقررات نظرية متعمقة لكل مسار، وتوثيقه في السجل الأكاديمي ووثيقة التخرج، وربطه بمسارات التوظيف ذات العلاقة.
ثانيًا: تعزيز تكامل منظومة الترخيص المهني القائمة، بوصفها إطارًا لتنظيم الممارسة المهنية لا للتوظيف، مع ربط المسارات التخصصية بالترخيص المهني بشكل منهجي وواضح. فبينما ترتبط رخصة ممارس العمل الاجتماعي الصادرة عن وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية بالشهادة الجامعية، يتطلب تصنيف أخصائي اجتماعي طبي من الهيئة السعودية للتخصصات الصحية سجلًا أكاديميًا مفصلًا وتدريبًا عمليًا مكثفًا. ويكشف هذا التباين عن فجوة بين التأهيل الأكاديمي ومتطلبات التصنيف المهني، الأمر الذي يستدعي اعتماد آلية موحدة لتوثيق المسارات التخصصية في السجل الأكاديمي ووثيقة التخرج، بحيث يصبح المسار الدراسي جزءًا معتمدًا من متطلبات الترخيص، ويُبنى عليه التصنيف والممارسة المهنية في كلا النظامين بشكل مباشر، بما يعزز جاهزية الخريج للانخراط في سوق العمل بكفاءة، دون أن يُحمِّل البرنامج الأكاديمي مسؤولية التوظيف، بل يجعله جزءًا من منظومة متكاملة تقوم على وضوح الأدوار وتكاملها.
ثالثًا: بناء نظام تقييم قائم على مؤشرات أداء واضحة، تشمل رفع نسبة توظيف الخريجين خلال ستة أشهر، وضمان التحاق جميع الطلاب بمسارات تخصصية محددة، وزيادة نسب الحصول على الترخيص المهني، وتحقيق مستويات رضا مرتفعة لدى الجهات المستفيدة، مع مواءمة أعداد القبول مع الاحتياج الفعلي، بما يعزز جودة المخرجات ويحد من تعثر الخريجين. خاصة في ظل قبول بعض الطلاب دون توافق مهني كافٍ.
رابعًا: تطوير نماذج تشغيل معيارية في الجهات الحكومية والخاصة، بما يسهم في استيعاب الخريجين بكفاءة، ويربط بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل.
ولا يعد هذا النهج نظريًا، بل تدعمه نماذج قائمة في المهن الصحية داخل المملكة، مثل التمريض، الذي يخضع لمنظومة تنظيم مهني متكاملة تشمل التصنيف والترخيص وربط التدريب السريري بمعايير الجودة، وهو ما أسهم في رفع كفاءة الممارسة المهنية. ورغم اختلاف طبيعة الطلب، إلا أن هذا النموذج يوضح أثر التنظيم المهني في تحسين جودة المخرجات وتعزيز فرص التوظيف.
إن هذا النموذج لا يتعارض مع جوهر العلوم الإنسانية، بل يعززه، حيث يجمع بين الأساس المعرفي العميق والتأهيل المهني المنظم، بما يحقق التوازن بين القيمة العلمية والكفاءة التطبيقية.
ختامًا، فإن تعليق القبول قد يكون إجراءً مرحليًا لضبط التوازن، لكنه لا يمثل حلًا نهائيًا. إن إعادة بناء الخدمة الاجتماعية، وما يماثلها من تخصصات العلوم الإنسانية والاجتماعية، كنظام مهني متكامل، كفيل بتحويل هذه التخصصات من تحدٍ إلى رافعة إستراتيجية للتنمية الاجتماعية، والحفاظ على دورها الحيوي في بناء مجتمع مزدهر وفق مستهدفات رؤية المملكة 2030.