خالد بن عبدالرحمن الذييب
من إشكاليات العقل البشري أنه يصنع لنفسه مقدساً ثم يقوم بالدفاع عنه بنفسه، مثلما فعل بني عبدالدار في معركة أحد والذين ضحوا بأرواحهم من أجل أصنام صنعوها فعبدوها، وكذلك بعض الأفكار ليست إلا أصناماً صنعها الإنسان بنفسه، فيبدأ يقاتل من أجلها ويدافع عنها بإرادته. يجسد فرانسيس بيكون ذلك في كتابه «الأورغانون الجديد» حين تحدث عن «أصنام المسرح»، وهي تلك الأوامر والنظريات الزائفة التي يصنعها البشر ثم يقدسونها كأنها حقائق مطلقة، بينما هي في جوهرها مجرد تمثيليات ذهنية بعيدة عن الواقع الصادق. فالحقيقة هي أن الإنسان هو نفسه من صنع هذه الأصنام وهو من صنع لها هذه القداسة، يقع الإنسان في حرج عندما تبدأ أصنامه بالسقوط، فيصبح دفاعه عنها ليس من أجل الفكرة، ولكن من أجل الذات؛ فالفكرة إن سقطت، سقطت معها الذات، ولكن إن حافظ على الفكرة أبقت الذات في المشهد.
إن من يصنع الأصنام يهمه بقاء الأصنام لا من أجلها، بل من أجله هو، حتى يبقى في الصورة، حيث يجد نفسه مضطراً لتبني دور الحامي والمدافع عمَّا نحتته يداه ليواري سوءة تدليسه وخديعته. ومن هنا ندرك أن صانعي الأصنام أكثر من يقع في حرج عندما تقترب حقيقة كشف أصنامهم، فهم يريدون أصنامهم عالية الهامة حتى تبقى قيمتهم مرتفعة حتى وإن كانت القيمة مزيَّفة. هذا الحرج نابع من أن الدفاع عن الصنم أو الفكرة، لم يعد دفاعاً عن مبدأ فكري، ولكن دفاعاً عن «الأنا» التي استثمرت في هذا الزيف طويلاً أمام مريديه وأتباعه الذين استغفلهم.
وكما أشار نيتشه: «هناك أصنام في العالم أكثر من الحقائق»، لكن الإنسان يخشى لحظة الحقيقة لأن انكسار الصنم يعني بالضرورة انكشاف تهافت الصانع الشخصي وضياع مكانته المصطنعة. إن هذه الاستماتة في تلميع «الفكرة المزيَّفة» ليست إلا وسيلة يائسة لتثبيت موقف الصانع وحماية وجاهته الاجتماعية؛ فإذا سقط الصنم سقطت معه كل تلك الهيبة المفتعلة التي بناها فوق أكتاف الآخرين. يخشى الصانع مواجهة الحقيقة لأن كشفها ينسف الاعتبار الذي شيده بالخداع، فيتحول الدفاع عن الوهم إلى معركة وجودية شرسة يغيب فيها المنطق ويحضر فيها الكبرياء الزائف الذي يرفض الاعتراف بالخطيئة المعرفية.
أخيراً...
يبقى الصنم صنماً مهما بلغت فخامة الرداء الذي ألبس إياه..
ما بعد أخيراً...
قيمة الإنسان مرهونة بقدرته على تحطيم الأصنام الذهنية والتحرّر من أوهامها..