فاطمة آل مبارك
قدم معالي الشيخ الدكتور صالح بن حميد، من على منبر المسجد الحرام، مرافعة أخلاقية وقيمية غاية في الأهمية، تجاوزت الوعظ التقليدي لتلامس إشكالات الإنسان المعاصر في زمن السيولة الرقمية. الخطبة بيان حضاري يربط بين استقامة الروح وبين مسؤولية الكلمة والسلوك في الفضاء العام والافتراضي.
تتجلى في ثنايا هذه الخطبة رؤية إصلاحية عميقة، تتجاوز الوعظ التقليدي لترسم ملامح الاستقامة الواعية في زمن تداخلت فيه الحقائق بالافتراضات، حيث استهل معاليه حديثه بإرساء قاعدة ذهبية مفادها أن السعادة الحقيقية تبدأ من الرضا بالقضاء والقدر، معتبراً أن الأدب وحسن الخلق هما الإرث الباقي والقرين الوفي الذي لا يتبدل بتبدل الأحوال، ومن هنا انطلق في تشخيص دقيق لحال القلوب التي لا تحيا إلا بذكر الله، محذراً من أن الغفلة هي القسوة التي تطفئ نور البصيرة، ومنادياً بضرورة الاستدراك قبل الفوات، فالعمر في منظوره هو رأس المال الوحيد الذي لا يقبل التعويض، واليوم هو ميدان العمل بلا حساب، بينما الغد هو ساحة الحساب التي لا عمل فيها.
ومما لاشك فيه أن معالي الشيخ قد لامس وجع العصر الحقيقي حينما سلط الضوء على «الانفصام الأخلاقي» الذي يعيشه بعضهم خلف الشاشات، فنجده يفكك تلك الازدواجية المريرة بين صورة الإنسان في مواقع التواصل وبين حقيقته في الواقع، محذراً من تلك الأوزار المتراكمة التي يحملها المرء بضغطة زر نتيجة النشر دون تثبت أو الخوض في أعراض الناس، ليصور لنا مشهداً مهيباً ليوم القيامة حيث يجد الإنسان في صحيفته سيئاتٍ لم يقترفها بيده، بل كان سبباً في إذاعتها أو التصديق عليها، وهذا الطرح يعكس وعياً فائقاً بخطورة «العدوى الأخلاقية الرقمية» وضريبة التباهي التي تكسر قلوب الفقراء وتذهب بحشمة النفوس.
ويسترسل التحليل في هذه الخطبة ليضعنا أمام مفهوم «السيادة الذاتية»، حيث يرى الشيخ أن خير ما يرزقه العبد هو سكينة النفس ونور العقل، وهي مكتسبات لا تتحقق إلا بالثبات عند الابتلاء لا في زمن العافية فقط، مؤكداً أن التلون لنيل إعجاب الخلق هو ضياع للهوية وشتات للفكر، فالمؤمن الحق لا يترك الحق لرضا الناس، بل يستمد قوته من صدق المقصد وإخلاص الصداقة ودعوات الوالدين، كما لفت معاليه إلى فلسفة أخلاقية عميقة مفادها أن لذة المعصية تضمحل ويبقى عقابها، بينما مشقة الطاعة تذهب ويبقى أثرها الطيب، وفي هذا دعوة صريحة لتقديم الغايات الباقية على النزوات العابرة.
وتختتم الخطبة بلمسة وطنية واجتماعية حكيمة، تربط بين صلاح الفرد وتماسك الجماعة، محذرة من اقتصاد الزلل الذي يقتات عليه المنافقون والمتربصون الذين يسعون لتضخيم الأخطاء وتكدير الصفوف، وفي تقديري فإن هذه الدعوة للمحافظة على الجماعة ولزوم الطاعة تمثل صمام أمان للمجتمع في وجه محاولات التفتيت المعنوي، فالشيخ هنا يرسخ مبدأ أن القوة تكمن في الوحدة وأن الزلات البشرية- وإن وجدت- فإن علاجها يكون بالنصح والستر لا بالتشهير والتربص، لتكون المحصلة النهائية للخطبة هي صناعة إنسان سوي، متصالح مع نفسه، رقيب على كلمته، وحريص على وحدة أمته ومجتمعه.