غادة الوعلان
تُعد الأنظمة والسياسات التعليمية الإطار الحاكم لأي مشروع تنموي في قطاع التعليم، غير أن قوتها لا تُقاس بمتانة بنائها النظري فحسب، بل بقدرتها على النفاذ إلى الواقع وتحقيق أثر ملموس في مخرجات التعلم.
ومن هذ المنطلق، فإن بناء الأنظمة والسياسات التعليمية يعتبر وسيلة استراتيجية للوصول إلى أهداف أعمق تتمثل في إعداد جيل قادر على التكيف مع تحولات العصر، وصناعة مستقبلية بوعي وكفاءة.
والناظر إلى مسار التعليم بوصفه رحلة ممتدة، تبرز مرحلتان محوريتان لا يمكن إغفالهما عند التخطيط الاستراتيجي:
الأولى، تتعلق بأدوات الطالب الأساسية، والثانية بالخطة المعرفية التي يُفترض أن تقوده نحو المستقبل.
فالأدبيات التربوية الحديثة تشير إلى أن إتقان المهارات الأساسية (القراءة، الكتابة، الحساب) في السنوات المبكرة (من 6 إلى 15سنة) يمثل حجر الزاوية في بناء التعلم اللاحق. فوفقاً لمبادئ التعلم التراكمي، فإن مراجعة مكتسبات الطلاب في هذه المرحلة، وقياس مستوى تمكنهم الحقيقي، يجب أن يكون أولوية وطنية، تبنى عليها السياسات التعليمية اللاحقة، فالمتعلم الذي يمتلك أدوات معرفية راسخة، يكون أكثر قدرة على التعلم الذاتي، وأكثر مرونة في التعامل مع أنماط المعرفة المتغيرة.
أما المرحلة من 15 فما فوق فهي تمثل نقطة التحول الحاسمة في مسار الطالب حيث تنتقل العملية التعليمية من التأسيس إلى التوجيه. وهنا تبرز أهميّة مواءمة الخطة المعرفية مع قدرات الطالب، واحتياجات البيئة، ومتطلبات سوق العمل.
ورغم الجهود المبذولة في تطوير المرحلة الثانوية، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في فجوة التطبيق؛ إذ لاتزال كثير من المبادرات حبيسة الأطر التنظيمية، دون أن تنعكس بوضوح على الواقع المدرسي.
فعندما ننظر إلى نظام المسارات في التعليم الثانوي وهيمنة «المسار العام» في عدد كبير من المدارس مما أثر على فاعلية النظام وأضعف قدرته على تحقيق التنوع والتخصص المبكر. ومع وجود جهود كثير في إحداث التنوع في التعليم في استيعاب المواهب بإحداث مدارس تخصصية تحتوي المواهب وإيجاد مسارات تحتوي الرغبات. إلا أن من أبرز الإشكالات التي تعيق التقدم في هذا التوجه؛ تأخر أدوات القياس الحاسمة مثل اختبارات القدرات والتحصيل إلى ما بعد المرحلة الثانوية، مما يجعلها أداة انتقائية أكثر من كونها أداة توجيهية. وهذا يطرح تساؤلاً جوهرياً: لماذا لا تُستخدم هذه الاختبارات في وقت مبكر (نهاية المرحلة المتوسطة مثلاً) لتشخيص الفاقد التعليمي، وتحديد المسارات المناسبة لكل طالب؟ إن تقديم هذه الاختبارات في مرحلة مبكرة، وتحليل نتائجها بشكل علمي، يمكن أن يسهم في:
بناء مسارات تعليمية مخصصة تراعي الفروق الفردية.
تقليل الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات التعليم العالي وسوق العمل.
تمكين الطالب من اتخاذ قرارات واعية بشأن مستقبله.
فالمرحلة الثانوية تتطلب إعادة تصور جذرية، تنتقل بها من كونها مرحلة تحصيل درجات إلى فضاء للاكتشاف والتجريب وبناء الهوية المهنية. ويمكن تحقيق ذلك من خلال:
تصميم مسارات مرنة ترتبط باحتياجات المناطق (المدن، المحافظات، القرى)، بما يعزز التنمية المحلية، ويستثمر الخصائص الاقتصادية لكل بيئة.
تصميم مناهج متمايزة تراعي مستويات الطلاب، مع الحفاظ على إطار وطني موحد يضمن العدالة والجودة.
تعزيز التعلم التجريبي من خلال المشاريع والتدريب الميداني والشراكات مع القطاعات المختلفة.
المرحلة الثانوية غنية بالرؤى والمبادرات، ولكن التحدي يكمن في الانتقال من التنظير إلى التنفيذ وفي القدرة على تبني قرارات تستند إلى بيانات واقعية وتشخيص دقيق لقدرات الطلاب واحتياجات المجتمع.
فمع تسارع التغيرات العالميّة لم يعد مقبولا أن يظل الطالب أسيرا لمعادلة «الشهادة والمعدل» في حين أن سوق العمل يتجدد بوتيرة متسارعة، ويتطلب مهارات تتجاوز المعرفة التقليدية إلى الإبداع، والمرونة، والقدرة على التعلم المستمر.
إن إعادة هندسة المرحلة الثانوية تمثل مدخلا استراتيجيا لإعادة تشكيل مستقبل التعليم، وتحقيق التوازن بين الطموح والواقع.
فحين يُمكّن الطالب من أدواته، وتُصمم له مساراته بناء على قدراته واهتماماته تتحول المدرسة من محطة عبور إلى منصة انطلاق.
ويبقى السؤال المفتوح:
هل تمتلك الأنظمة التعليمية المرونة الكافية لاحتواء هذا التحول، أم مازلنا ندور في فلك النماذج التقليدية؟!.