د.عيد بن حجيج الفايدي
تبرز في المشهد الثقافي السعودي المعاصر صورة بانورامية لمتاحف خاصة تنتشر في مدن وقرى هذا الوطن، وتقف على أعتاب مرحلة تتداخل فيها التحديات والصعوبات من متحف إلى آخر. ففي هذه المتاحف يلتقي شغف الهواة المخلصين برؤية مؤسسية طموحة تسعى إلى إعادة صياغة الأهداف العامة والخاصة للمتحف السياحي. وفي ثنايا هذا التحول، يظهر تباين مشهدي لافت؛ ففي أروقة بعض المتاحف الخاصة في الرياض أو القصيم أو الأحساء، يجد الزائر نفسه محاصراً بفيض من الحنين المتجسد في قطع تراثية وأدوات زراعية نادرة، لكنها تعاني من وطأة «التكدس الصامت»، حيث تزدحم المقتنيات في مساحات ضيقة تفتقر لمسارات حركة انسيابية، فتغدو الرحلة داخل المتحف أقرب إلى التجول في مخزن خافت الإضاءة ومكتظ بالتاريخ، لا في فضاء عرض متحفي مدروس.
وتستمر هذه العشوائية في مناطق أخرى كحائل والمدينة المنورة، حيث تقف قطع أثرية لا تُقدّر بثمن دون بطاقات تعريفية توثق أصلها وسياقها، فتتحول من شواهد حضارية ناطقة إلى جمادات صامتة تفقد قيمتها المعرفية أمام دهشة الزائر. أما في تبوك، فإن التحدي يتخذ بعداً أكثر حساسية، إذ تواجه المجموعات الشخصية ظروفاً بيئية غير منضبطة تهدد سلامة المقتنيات، في ظل غياب أنظمة الحفظ الوقائي التي تصون المنسوجات والمخطوطات من التلف التدريجي، أو التقسيم العلمي المدروس.
وفي مقابل هذا المشهد، يظهر المتحف العام التابع لدارة الملك عبدالعزيز بوصفه نموذجاً مؤسسياً أكثر انضباطاً وتنظيماً؛ إذ يقوم على معايير مهنية واضحة تشمل التوثيق العلمي، ووجود بطاقات تعريفية دقيقة، وتصميم مسارات عرض مدروسة تضمن تجربة زيارة متكاملة. كما يعتمد على كوادر متخصصة في الترميم والحفظ، وأنظمة بيئية دقيقة تتحكم في درجات الحرارة والرطوبة، إضافة إلى برامج تعليمية وثقافية موجهة لمختلف فئات المجتمع. غير أن هذا النموذج، رغم كفاءته، قد يفتقر أحياناً إلى روح الشغف الفردي والحميمية التي تميز المتحف الخاص، حيث تنعكس شخصية المالك واهتماماته في تفاصيل العرض وسرد الحكايات.
أما المتحف الخاص للفرد، فيتميز بمرونة أكبر وخصوصية فريدة، إذ ينبع من شغف شخصي بالجمع والتوثيق، ويقدم أحياناً مقتنيات نادرة لا تتوفر في المتاحف العامة. لكنه في المقابل يواجه تحديات تتعلق بضعف التنظيم، وقلة الموارد، وغياب المعايير المهنية في العرض والحفظ، مما يؤثّر على جودة التجربة المتحفية ويحد من قدرته على أداء دوره الثقافي والتعليمي على نحو متكامل.
ولعلاج هذا التباين، تبرز خطوات لا تغيب عن أصحاب القرار، من أهمها تصور «المتحف الذكي» بوصفه حلاً تكاملياً يعيد التوازن بين العفوية الفردية والانضباط المؤسسي. يقوم هذا التصور على دمج التقنيات الحديثة في بنية المتحف الخاص، بدءاً من استخدام تطبيقات الواقع المعزّز التي تتيح للزائر التفاعل مع القطع واستكشاف قصصها، مع موقع الكتروني وتطبيق إلكتروني للمتحف الخاص، مروراً بتبني أنظمة رقمية للتوثيق والأرشفة، وصولاً إلى توظيف تقنيات إنترنت الأشياء لضبط البيئة الداخلية وحماية المقتنيات. كما يمكن دعم هذه المتاحف عبر شراكات مع الجهات الثقافية لتقديم الإرشاد المهني والتدريب.
وتبرز خطوة أخرى ينبغي اتخاذها قبل إصدار قرار الترخيص للمتحف الخاص، وهي تصنيف المقتنيات وتحويل المتحف إلى متحف متخصص في قطاع محدد؛ فإذا كانت غالبية المقتنيات أدوات زراعية صُنّف المتحف بوصفه متحفاً زراعياً، وإذا كانت العملات هي الغالبة تحوّل إلى متحف متخصص بالعملات، وهكذا يُبنى التصنيف على السمة العامة للمحتوى.
إن تطوير المتحف الخاص لا يتطلب التخلي عن هويته الفردية، بل إعادة صياغتها ضمن إطار احترافي مرن؛ بحيث يتحول من مساحة عرض عشوائية إلى منصة ثقافية ذكية تجمع بين أصالة الشغف ودقة التنظيم، وتسهم في تعزيز السياحة الثقافية وترسيخ الوعي بالتراث الوطني بأسلوب معاصر.. لعل وعسى...