منصور بن صالح العُمري
ليس في سورة عبس عتابٌ عابر، بل كشفٌ لميزانٍ دقيقٍ تُوزن به خفايا النفوس قبل ظواهر الأعمال..
{عَبَسَ وَتَوَلَّى، أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى} [عبس: 1-2].
لم يكن هناك لفظٌ جارح، ولا طردٌ صريح، ولا إساءةٌ تُسمع..
إنما هي لحظةُ وجهٍ تغيّر، وملامحُ نفسٍ انصرفت..
رآها من لا تخفى عليه خافية.
والأعمى.. لا يرى.
لكن ربّ الأعمى يرى.
وهنا ترتجف المعاني..
إن كان العتاب قد نزل في وجهٍ عَبَسَ، لم يُدركه صاحب الحاجة، ولم تلتقطه عينُ ضعيفٍ جاء يطلب الهداية..
فكيف بوجهٍ يتقطّب أمام الناس عمداً؟
وكيف بمن يجعل العبوس سلاحاً يُذلّ به من لا يملك الردّ؟
وكيف بمن يُطلق لسانه في غيبة من لا يراه، يجرحه بكلمة، أو يبهته بعبارة، أو يطعن في عرضه وهو غائب؟
أليس الذي رأى تلك الالتفاتة الخفيَّة... يرى هذه القسوة الجليَّة؟
أليس الذي عاتب على عبوسٍ لم يُبصَر.. يحاسب على أذى يُسمع ويُرى ويُتناقل؟
{مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18].
إنها ليست قصة وجهٍ فقط..
بل قصة قلبٍ كيف يُخاطِب الخلق وهو واقفٌ بين يدي الحق.
في مجلسك.. في عملك.. في بيتك..
ثمّة من لا يستطيع أن يردّ عليك،
ثمّة من يكسِره تغيّرُ ملامحك قبل كلماتك،
ثمّة من يخرج من عندك وهو لا يحمل من لقائك إلا ثِقَلَ شعورٍ لم تستطع عينُه أن تُفسّره، لكن قلبه تألّم منه.
وهنا.. يُكتب كل شيء.
إن الله الذي قال لنبيه صلى الله عليه وسلم:
{وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى} [عبس: 3].
يُذكّرك أن الذي تستصغره قد يسبقك إلى الله،
وأن الذي تُعرض عنه قد يكون أقرب منك زُلفى.
فلا تحتقر وجهاً..
ولا تزدْ ضعيفاً ضعفاً..
ولا تجعل من نعمة القوّة والتمكين وسيلةً لكسر من لا يملكها.
وإن كنت تخشى الحساب على كلمة..
فاخشَه على نظرة، وعلى نبرة، وعلى التفاتة.
فربّ عبوسٍ خفيٍّ... كان عند الله عظيماً،
وربّ قلبٍ كُسِر بصمتٍ.. رفع شكواه إلى من لا يظلم عنده أحد.
اللَّهم جمّل وجوهنا بالبِشر، وقلوبنا بالرحمة، وألسنتنا بالصدق،
واجعلنا ممن إذا لقوا عبادك كانوا لهم سكينة،
وإذا خلوا بك كانوا لك خاشعين.