إبراهيم بن يوسف المالك
أثار خبر مهني نُشر مؤخرًا حول تحذير هيئة المحاسبين القانونيين من مخاطر ربط مكافآت الإدارة مباشرة بمؤشرات الربحية نقاشًا مهمًا في مجال حوكمة الشركات. فقد أشارت الهيئة إلى أن ربط الحوافز بالأرباح أو المؤشرات المالية قد يفتح المجال أمام تحيزات في التقارير المالية أو في تقديرات الإدارة، نتيجة الضغوط المرتبطة بتحقيق تلك المؤشرات. هذه الإشارة المهنية تلامس قضية أوسع بكثير من مجرد إجراءات محاسبية، فهي تتعلق بطبيعة العلاقة بين الحوافز والقرار الإداري داخل المؤسسات.
من حيث المبدأ، تبدو فكرة ربط المكافآت بالأداء فكرة منطقية. فالمؤسسات تسعى عادة إلى مواءمة مصالح الإدارة التنفيذية مع مصالح المساهمين، من خلال ربط المكافآت بنتائج ملموسة مثل الأرباح أو نمو الإيرادات أو أداء السهم في السوق. ويُفترض أن يؤدي ذلك إلى تحفيز الإدارة على تحقيق أفضل النتائج الممكنة للمؤسسة.
لكن التجارب العملية أظهرت أن تصميم الحوافز قد يؤدي أحيانًا إلى نتائج غير مقصودة. فالحوافز لا تقتصر على مكافأة القرارات الجيدة، بل قد تعيد تشكيل طريقة اتخاذ القرار نفسها. عندما تصبح مكافآت الإدارة مرتبطة بمؤشر محدد، قد يتحول تركيز القرار تدريجيًا من تحقيق المصلحة الإستراتيجية للمؤسسة إلى تحقيق الهدف الذي تقاس عليه المكافأة.
ومع مرور الوقت، قد يصبح المؤشر ذاته هدفًا قائمًا بذاته، حتى لو لم يعد يعكس الأداء الحقيقي للمؤسسة أو مصلحتها بعيدة المدى.
وقد ظهرت هذه الإشكالية بوضوح في عدد من الأزمات المؤسسية العالمية التي أصبحت تُدرّس اليوم في برامج الحوكمة والإدارة.
ففي قضية بنك Wells Fargo في الولايات المتحدة، أدى ربط الحوافز بعدد الحسابات الجديدة التي يتم فتحها للعملاء إلى قيام بعض الموظفين بفتح ملايين الحسابات دون علم أصحابها، بهدف تحقيق الأهداف البيعية المفروضة عليهم. لم تكن المشكلة في غياب الأنظمة أو اللوائح، بل في تصميم الحوافز الذي جعل المؤشر التشغيلي – عدد الحسابات – أهم من جودة الخدمة أو مصلحة العميل.
وفي فضيحة شركة Volkswagen الشهيرة عام 2015، كشفت التحقيقات عن استخدام برامج تقنية للتحايل على اختبارات الانبعاثات. وقد ارتبط ذلك بضغوط داخلية كبيرة لتحقيق أهداف بيئية وتسويقية طموحة في وقت قصير، وهو ما دفع بعض الفرق التقنية إلى البحث عن طرق لتلبية المؤشر المطلوب حتى لو كان ذلك على حساب المعايير الحقيقية للأداء البيئي.
أما حالة Enron، التي تعد من أشهر الانهيارات المؤسسية في التاريخ الحديث، فقد ارتبطت بشكل كبير بنظام مكافآت يركز على الأرباح قصيرة الأجل وأداء السهم في السوق. هذا النظام شجع ممارسات محاسبية معقدة أخفت الخسائر الحقيقية للشركة لفترة طويلة، إلى أن انهارت المؤسسة بالكامل في واحدة من أكبر الأزمات المالية في تاريخ الشركات الأمريكية.
هذه الحالات لا تعني أن الحوافز في حد ذاتها مشكلة، لكنها تكشف أهمية تصميمها بعناية. فالحوافز إذا صُممت بصورة ضيقة قد تدفع المؤسسات إلى التركيز على المؤشرات بدلاً من الأهداف الحقيقية التي صُممت هذه المؤشرات لقياسها.
وهنا تظهر نقطة جوهرية في حوكمة المؤسسات: الإدارة التنفيذية لا تعمل في فراغ. قراراتها تتأثر بطبيعة المؤشرات التي تُقاس بها، وبالضغوط التي تفرضها الأسواق، وبأنظمة المكافآت التي تحدد كيفية تقييم الأداء.
فإذا كان النجاح يُقاس بمؤشر واحد فقط، فمن الطبيعي أن تتجه الجهود المؤسسية نحو تحسين هذا المؤشر، حتى لو كان ذلك على حساب عناصر أخرى لا تقل أهمية، مثل الاستدامة طويلة المدى أو إدارة المخاطر أو جودة القرارات الاستثمارية.
لهذا السبب بدأت كثير من المؤسسات المتقدمة في إعادة النظر في تصميم أنظمة الحوافز. فبدلاً من التركيز على مؤشر واحد، يتم الاعتماد على مجموعة متوازنة من المؤشرات تشمل الأداء المالي والاستدامة وإدارة المخاطر وجودة الحوكمة.
كما أن بعض المؤسسات أصبحت تربط جزءًا من المكافآت بنتائج طويلة المدى تمتد لعدة سنوات، وليس فقط بالأداء السنوي، وذلك لتقليل الضغوط المرتبطة بتحقيق نتائج سريعة قد تكون على حساب المصلحة الإستراتيجية للمؤسسة.
ومن الأدوات المهمة أيضًا تعزيز دور لجان المراجعة والحوكمة داخل مجالس الإدارة، بحيث لا تقتصر مهمتها على مراجعة الأرقام، بل تمتد إلى تقييم مدى ملاءمة أنظمة الحوافز وتأثيرها على سلوك الإدارة التنفيذية.
فالهدف في النهاية ليس إلغاء الحوافز، بل تصميمها بطريقة تدعم الحكم الإداري الرشيد بدلاً من أن تحل محله.
المؤشرات ضرورية بلا شك، فهي تساعد على قياس الأداء وتقييم النتائج. لكن المؤشرات تظل أدوات قياس، وليست بديلاً عن الحكم المهني في اتخاذ القرار. وعندما تتحول المؤشرات إلى غاية في حد ذاتها، قد تجد المؤسسات نفسها تحقق الأرقام المطلوبة دون أن تحقق القيمة الحقيقية التي صُممت تلك الأرقام لقياسها.
ولهذا فإن قوة المؤسسات لا تقاس فقط بدقة المؤشرات التي تعتمدها، بل بجودة الحكم الإداري الذي يفسر تلك المؤشرات ويتخذ القرار على ضوئها.
فالقيادة الرشيدة لا تتمثل في تحقيق المؤشرات فحسب، بل في القدرة على التمييز بين ما يجب قياسه، وما يجب الحكم عليه.
وفي عالم تزداد فيه المؤشرات والضغوط التنافسية، يبقى التحدي الحقيقي أمام المؤسسات هو الحفاظ على هذا التوازن الدقيق بين القياس الرقمي للأداء وبين الحكم الإداري المسؤول.
لأن المؤسسات التي تنجح في تحقيق هذا التوازن هي وحدها القادرة على تحويل المؤشرات إلى أدوات للنجاح، بدلاً من أن تتحول إلى قيود تشوّه القرار الإداري وتختزل النجاح في رقم واحد.