أريج كعكي
فن إدارة الأولويات الاقتصادية ليس في كثرة ما ننجزه، بل في اختيار ما يصنع الفرق الأكبر والنمو المستدام. بهذه الرؤية تُبنى الاقتصادات المرنة فهي لا تتشكَّل كترف فكري، بل كإزاحة هيكلية فرضتها تحديات مفصلية، حيث تكشف تجارب سنغافورة وكوريا الجنوبية عن نمط موحَّد يرتكز على تحويل الاختناقات التنموية إلى مزايا تنافسية مستدامة.
ففي عام 1965، واجهت سنغافورة ما يُعرف بـ «الافتراض الصفري»، حيث انعدمت المزايا النسبية من أرض وموارد طبيعية ومياه. كانت الأولوية الاقتصادية هي كسر العزلة عبر «راديكالية التخصص»، وتحويل الموقع الجغرافي من معطى فيزيائي إلى أصل استثماري عالمي يربط الدولة بسلاسل القيمة الدولية، محولاً «الندرة» إلى «مركزية لوجستية» لا يمكن تجاوزها. وبذات الروح أيضاً انتقلت كوريا الجنوبية من وضع «الاقتصاد المشلول» بعد الحرب إلى بناء القيمة عبر «اقتصاد المحتوى والهوية»، حيث استثمرت في الأصول غير الملموسة ليولد قطاع المحتوى 1.57 وحدة إنتاج لكل وحدة طلب، محققاً أعلى معدلات الأثر المضاعف في الناتج المحلي.
في جوهرها تتشكَّل الأولويات الاقتصادية عبر إدارة تكلفة الفرصة البديلة، ففي ظل الندرة النسبية للموارد يصبح التركيز هو المحرك الأساسي للقيمة. وتتحدد هذه الأولويات وفق محددات ثابتة: تبدأ بالاتجاه الإستراتيجي، ومرورًا بقيود الموارد المتاحة، وصولاً إلى الجاهزية التنفيذية واقتناص نوافذ الفرص العالمية لتحقيق ميزة السبق.
ولضمان توجيه الموارد نحو المسارات الأعلى أثراً تبرز ثلاث ركائز أساسية تعزِّز من مرونة الاقتصاد وقدرته على مواكبة المتغيِّرات:
-اعتماد «مؤشر جودة الأولويات الاقتصادية»: لضمان فاعلية التخصيص، يجب إخضاع الأولويات لإطار قياس معياري فليست كل الأولويات متساوية في القيمة. يمكن قياس الجودة عبر ثلاث ركائز: درجة الترابط القطاعي، العائد المضاعف على الاستثمار، ومرونة التعديل وفق المتغيرات السوقية. هذا المؤشر ينقل العملية من مجرد «تحليل أهداف» إلى «إطار قياس» دقيق يضمن جودة التنفيذ وتوجيه الموارد نحو المسارات ذات الأثر التنموي الأعلى.
- تفعيل «العناقيد الاقتصادية» (Economic Clusters) والترابط الهيكلي: يرتكز هذا الحل على مبدأ «الترابط الأمامي والخلفي» (Forward الجزيرة Backward Linkages)، حيث لا تُمنح الأولوية لقطاعات معزولة، بل لمنظومات متكاملة تضمن تلافي تشتت رأس المال. فعلى سبيل المثال، الاستثمار في «تقنيات تحلية المياه» يتجاوز البعد البيئي ليكون محركاً تقنياً للصناعة، وممكناً للأمن الغذائي، ورافداً للتعدين، مما يخلق منظومة إنتاجية عالية التعقيد تضاعف العائد على وحدة الإنفاق.
- إعادة صياغة دور القطاع الخاص من «الممول» إلى «الشريك الإستراتيجي»: وذلك عبر التوسع في ضمانات القروض وشراء المخاطر الأولية في القطاعات الإستراتيجية الناشئة. هذا التوجه يحفز رؤوس الأموال الخاصة (Private Equity) للدخول في استثمارات نوعية، ويخفف العبء المالي عن الخزينة العامة مع ضمان توزيع عادل للمخاطر، مما يرفع كفاءة تخصيص رأس المال الوطني بشكل جذري.
إن تشكل الأولويات الاقتصادية هو المرآة الحقيقية لقدرة المنظومات على إدارة الندرة واستشراف المستقبل. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في اختيار القطاعات، بل في بناء منظومة اقتصادية مرنة قادرة على تحويل الموارد إلى أثر، وتحويل الفرص إلى نمو مستدام يرسخ مكانة المملكة في خارطة التنافسية العالمية.