د. محمد بن إبراهيم الملحم
في مقالتي السابقة طرحتُ سؤالاً قديماً متجدداً: كيف يرتقي التعليم؟ وانتهيتُ إلى أن جوهر الإشكالية قد يكمن في ربط مسيرة التطوير التعليمي بشخص المسؤول، وهو ما يجعل كل تغيير في القيادة يعيد اختراع العجلة، فاقترحتُ كحل إنشاء «مجلس أعلى للتعليم» يتولى شؤون الحوكمة والسياسات التعليمية والمناهج، فيما تنصرف الوزارة إلى التنفيذ والتشغيل. وقد وردني حول المقترح تساؤلات وتحفظات أراها واقعية تستحق الوقوف. وقبل ذلك لا بد من التأكيد على أن هذا المقترح ليس ضرباً من الخيال، بل هو ممارسة عالمية راسخة تطبقها دول متقدمة تعليمياً، ففي فنلندا التي تتصدر مؤشرات التعليم الدولية منذ عقود، هناك هيئات حوكمة تعليمية مستقلة تضع السياسات بمعزل عن التقلبات السياسية الحكومية. وفي سنغافورة تقوم منظومتها على مجلس تخطيط تعليمي يتسم بالاستمرارية والتراكم المعرفي بصرف النظر عمن يتولى الحقيبة الوزارية. وفي كندا تتوزع صلاحيات الحوكمة على مجالس إقليمية ووطنية متخصصة تُبقي على الثوابت وتُطور المتغيرات بهدوء وعمق. وهناك دول لديها هيئات تنظيمية مستقلة تتضمن جزئياً ما ورد في هذا المقترح مثل أوفستد Ofsted في بريطانيا والتي تتمتع بصلاحيات رقابية وتقييمية واسعة لا تخضع لتوجيهات الوزير المباشرة. وفي أستراليا هيئتان مستقلتان إحداهما للمناهج والأخرى لمعايير المعلمين. وفي الولايات المتحدة تتوزع صلاحيات التعليم بين الولايات، فإن مجالس التعليم المحلية والولائية هي صاحبة القرار الفعلي في السياسات، لا الوزارة الفيدرالية.. وخلاصة القول إن الفكرة ناضجة وجديرة بالأخذ، وتتقاطع مع تجارب دول بنت منظوماتها التعليمية بعيداً عن التذبذب الوزاري، غير أن نجاحها مشروط بثلاثة أعمدة لا غنى عنها: وضوح الصلاحيات، وصرامة معايير العضوية، وارتباط دائم بالواقع الميداني كما سنناقش بعد قليل.
أبرز ما يثار هو الخشية من أن يتحول المجلس إلى ساحة للمحاصصة، فتتنافس عليه تكتلات طرق التفكير المختلفة (كمثال واحد فقط: رغبة أنصار سوق العمل في التخصص المهني مقابل رغبة الأكاديميين في التأسيس النظري)، وكذلك تجاذبات المدارس المتفاوتة زمنياً في النظرة للتعليم، فتتمخض عن هذا التباين قرارات «توافقية» باهتة بدلاً عن قرارات جريئة بناءة، وهو تحفظ مشروع، وسيناريو متوقَّع بدون شك سواء لدينا أو في أي مكان، وهي تشي بالتحول إلى بيروقراطية في ثوب جديد لا أكثر. والحل هو وضع معايير اختيار للأعضاء موضوعية وصارمة وشفافة تُقدِّم الكفاءة المُثبتة والخبرة الفعلية على التمثيل الرمزي، ويُضاف إلى ذلك تجديد نسبة من عضوية المجلس بصورة دورية، كي لا تتكلَّس الأفكار ولا تترسَّخ التحالفات على حساب المصلحة التعليمية. ثم يطل برأسه خطر «القرارات النظرية»، حيث تتوقَّع فجوة التطبيق بين المجلس وجهة التنفيذ ففي حين يضع المجلس سياسات طموحة جداً «على الورق» فإن جهة التنفيذ إما أن تجد صعوبة حقيقية في تطبيقها لعدم إدراك المجلس للتفاصيل الميدانية أو أن مستوى أداءها لا يرتقي إلى التناغم مع تصورات التنفيذ، وفي كلتا الحالتين ستبدو القرارات نظرية إما نتيجة واقع لم يدركه أو يثمنه المجلس أو نتيجة وقوع القرارات ضحية ضعف التنفيذ. وفي نفس السياق نجد ما يتداخل، بل يختلط أحياناً مع هذه المشكلة وهي «ضبابية مسؤولية الفشل»، حيث يتنازع الأمر بين المجلس الذي وضع السياسة والوزارة التي قامت بالتنفيذ، وتسير معها مشكلة «المقاومة الداخلية» من الجهاز التنفيذي في حال عدم الاقتناع بالأنظمة الجديدة مما قد يؤدي إلى انخفاض الحماس لجودة التنفيذ وضعف الابتكار، وكل هذه المشكلات الثلاث لها حل واحد يعمل معها جميعاً هو تكوين تمثيل جزئي للوزارة في أعضاء خبراء مخضرمين سيعملون كـ «جسر» بين رؤى المجلس وقدرات الوزارة التنفيذية، وهو ما سيؤدي إلى ضمان واقعية القرارات قبل صدورها، كما يقطع الطريق على الجهة المنفذة بعدم الواقعية أو بعدم الاقتناع أو التنصّل من الفشل.
هناك تحفظات كلاسيكية مثل أن القرار الجماعي قد يُفضي إلى غياب المسؤولية الفردية ضمن المجلس، خاصة حين يُخفق قرار ما فيتوزع الإخفاق على أكتاف جميع الأعضاء مما يخلق حالة من عدم رضا الفريق المتحفظ وهذا يسهل تجاوزه في توثيق نظام التصويت وتسجيل موقف كل عضو وهو توازن أتصور أنه متوفر حالياً في تجربة مجلس الشورى، ومثله أيضاً تأسيس مبدأ الشفافية من خلال نشر محاضر اجتماعات المجلس ووثائقه للرأي العام بعد مدة مناسبة، مما يكسب المجلس ثقة المجتمع ويقطع الطريق على كل من يريد التشكيك في نزاهته أو استقلاليته. ويمكن أيضاً اتباع نظام التصويت المشروط لتجنب الصراعات، فيتم تصنيف القرارات بحيث بعضها يتطلب الإجماع (مثل المناهج الكبرى)، وبعضها يتطلب الأغلبية البسيطة مما يضمن تدفق العمل. إن تجاوز التحفظات ضروري، لكنه وحده لا يكفي، فنجاح أي كيان يعتمد على ما يحيط به من تنظيمات وتأسيس ممارسات لصحة عمله وانسجامه مع متطلبات الواقع وأهم ما يمكن أن يُقال في هذا السياق هو أولاً أن ينطلق المجلس في مباحثاته (ثم قراراته) من بيانات حقيقية يملكها هو وكذلك من مقارنات دولية محكّمة، ولا يكون اعتماده على آراء وانطباعات شخصية لأعضائه ولا أن يقتصر على تقارير من جهات التنفيذ كالوزارة، حيث تحكمها الثقافة الإدارية بتبعاتها التنفيذية، بل ربما محدودية نظرتها ووقوعها في التحيز التصميمي. والطريق العملية إلى ذلك هو أن يملك المجلس وحدة بحث وقياس مستقلة تقوم بأبحاثها الخاصة كما تستقي أبحاث ودراسات وتقارير جهات غير تنفيذية لا ترتبط بالوزارة مثل هيئة تقويم التعليم والجامعات «المستقلة» غير الواقعة تحت نفوذ وزارة التعليم، كما تستفيد أيضاً من الدراسات والتقارير الدولية حول المملكة سواء المتعلِّقة بالتعليم بشكل مباشر أو غير مباشر مثل تلك المرتبطة بالاقتصاد وتوجهات سوق العمل مثلاً. وهكذا فإن مجلساً مثل هذا هو مجلس يملك بوصلة حقيقية يسير بها على هدى في طريقه. ولحديث بقية..
** **
- مدير عام تعليم سابقاً