عبدالعزيز صالح الصالح
بالكلمة يفصح الإنسان عن رغباته وحاجاته ويعقل هذه الحاجات وينظمها في إطار اجتماعيِّ، فيوفق بين حاجاته الخاصَّة والمصلحة العامَّة للجماعة التي هو فرد منها… وبالكلمة يضبط الإنسان غرائزه البهيِّميِّة، وبها سما من صنف الحيوان إلى مرتبة الإنسان. وقد يعبَّر المرء عن رغباته كلَّها أو يخفي بعضها فتنشأ فيه عقد نفسيَّة، جَرَّاء هذا الإخفاء، تُسَمِّى -بعقد الإخفاء- ولا تحل هذه العقد إلاَّ بإفصاح جديد من جرَّاء ذلك كلَّه.
ويُؤكِّد علماء النَّفس على جعل الكلمة عنصراً أساسيًّا في علم التحليل النَّفسيِّ، سواء في حالة اليقظة أم في حالة المنام وبسبب هذه الأحاسيس المتفاعلة المتجدِّدة في النَّفس الإنسانيَّة، كان مكان الكلمة عند علماء النَّفس أرفع من مكانها لدى اللُّغويين؛ فللكلمة عند المحللين النفسانيين، معان متعدِّدة ووجوهٌ شتَّى، لها معناها الحسي، ولها معانيها المجرَّدة ومراميها البعيدة… فهي من جهة، تعبير لشعور المتحدث تجاه المتلقِّي، ومن جهة أخرى هي أحاسيس ورؤي متوغلة في (لا شعور) السليم والمريض، سواء بسواء، مهما يكن النَّفاق المبطن وصولته، والمديح ومقاصده وصلف المادحين وقوة الفصل والبتر، فلا بُدَّ أن الحقيقة سوف تعلو ويبلغ صبح الحقيقة من حنادس الظلام، فالناس صنفان يتجسد من خلال تعاملها ومع غيرهما ما يؤذِّي السَّمع والبصر؛ شخص يمدح غيره بمناسبة أو دون مناسبة، ثم يدونها وكأنه يسعى جاهداً إلى الوصول إلى أهداف يريدها، حتَّى وإن لم يكن ذلك من حقَّه، أو يتأكِّد من قدرة من طمع فيه وأغراه على بذله.
فهو يسمح لنفسه بكيل المديح جزافاً لمن يريد في (تفاهة) محزنة ومؤلمة، (وانحدار) مرير ومؤلم، وينسب إلى محَدثه من الأعمال والإنجازات ما لا صلة له بها، وتكون المحصلة لنهجه السيئ الكشف عن تفاهة وعن واقعه، وكشف جرأة لسانه على الخداع، والتملق، والتزلَّف، والكذَّب.
وقد يواجه من يقول له (كَفَى كَفَى)… لكنَّه لا يكتفي، ولا يكتفي من القول، وربما يدفع البعض ممن ينتسب إليهم غير واقعهم إلى تصديق ما يسمعون، وينطبق عليهم قول الله تعالى: (لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم) سُورة آل عمران (188).
ومن يبالغ كثيراً في مدح غيره، ويمارس هذه الطريقة وهذا الأسلوب العقيِّم لتحقيق مقاصد يريدها عندما تتوفر لديه الفرصة المناسبة، فأخذ يؤذِّي بذلك ممدوحيه، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة؛ لأنه في قرارة نفسه يسخر بهم، ويفترض فيهم تصديق ما يؤذيهم سماعُه، لا يردعه عن ذلك خوف من الله، أو حياء من النَّاس، أو شماته خلقه، أو أذى ممدوحه، ويبدو في استرساله المشؤوم والمذموم كمن يتقيأ ليظهر أسوأ ما لديه من معلومات وأخبار … حيث ينطبق عليه قول نبينا صلوات الله وسلامه عليه: (إذا رأيتم المدَّاحين فاحثوا في وجوههم التراب).
فالواجب، بدلاً من هذا السوء المؤذِّي أن نثني على المحسن بما يفعل؛ تذكيراً له بوجوب شكر الله على توفيقه وعونه له على تحقيقه، وندعمه ونشجع فيه بوادر الخير والأمانة والصدق والإخلاص، ونتجه إلى المخطئ والمقصر بمبادئ النصيحة المشروعة بشروطها وأهدافها لتذكيره بما يجب عليه، وما يحسّن به سلوكه إلى الأبد.
والله الموفِّقُ والمعين.