د. أنس عضيبات
بينما ينشغل العالم بمواجهة الأوبئة العابرة، يتسلل إلى بيوتنا وباءٌ من نوع آخر، لا يضرب الجسد بل ينخر في الروح؛ إنه وباء «الهشاشة النفسية» فلقد نجحنا في بناء بيوت فارهة وتوفير حياة رغيدة لأبنائنا، لكننا وفي غمرة هذا الاندفاع، نسينا بناء «الهيكل العظمي» لشخصياتهم، فخرج إلينا جيلٌ يبدو مكتملاً من الخارج، لكنه ينكسر أمام أول نسمة «نقد» أو أول تجربة «فشل».
تبدأ الحكاية من خوفنا المفرط عليهم، فلقد تحول الوالدان إلى «حرس حدود» يمنعون وصول أي شعور بعدم الارتياح إلى طفلهم إذا حزن، نسارع لإضحاكه بمكافأة؛ وإذا فشل، نلوم المعلم أو الظروف؛ وإذا اشتهى شيئاً، كان له في التو واللحظة، وهذا «الترميم» المستمر لكل خدش عاطفي منع الطفل من تكوين «ندبات» القوة تماماً كما تحتاج العظام الحقيقية إلى الضغط والمقاومة لتقوى، تحتاج النفس البشرية إلى «الضغط النفسي الصحي» لتصلب عودها ونحن، بدافع الحب، سحبنا منهم «أثقال الحياة»، فأصبناهم بضمور في مهارات التأقلم.
في عالم التواصل الاجتماعي، يعيش الشاب في فقاعة من «الإعجابات» المزيفة، حيث الجميع «رائع» والكل «ناجح» وهذه الثقافة رسخت مفهوم «الاستحقاق دون جهد»، فأصبح الشاب يتوقع أن العالم مدين له بالنجاح والتقدير بمجرد وجوده وحين يصطدم بالواقع العملي الذي لا يوزع «لايكات» مجانية، تحدث الصدمة وهنا تظهر الهشاشة؛ حيث يتحول الإحباط البسيط إلى اكتئاب حاد، وتتحول العقبة العادية إلى نهاية العالم.
إن ما نفعله اليوم يشبه تماماً تربية طفل في غرفة معقمة تماماً من الجراثيم؛ بمجرد خروجه للشارع سيفتك به أبسط فيروس «المناعة الوجدانية» لا تتكون إلا بخوض التجارب المريرة: خذلان الصديق، خسارة المسابقة، الشعور بالملل، وتجرع مرارة الرفض. عندما نحجب عنهم هذه التجارب، نحن لا نحميهم، بل نجعلهم «فرائس» سهلة للمستقبل. إنهم يفتقرون إلى «الصلابة الكافية» للتعامل مع ضغوط العمل، أو تعقيدات العلاقات الإنسانية، أو حتى مواجهة أنفسهم في لحظات الضعف.
إن الحل لا يكمن في القسوة، بل في «التوازن الذكي» فعلينا أن نتوقف عن دور «الممهد» للطريق، ونبدأ في دور «المعد» للمسافر.
عاملوا الفشل كدرس: لا ككارثة تستوجب الطوارئ.
علموهم الصبر: لذة الوصول بعد التعب تفوق بمراحل لذة الاستهلاك السريع.
امنحوهم مسؤوليات: فالشعور بالمسؤولية هو الكالسيوم الذي يقوي عظام الشخصية.
إن جيل «الزجاج» ليس هو المسؤول عن هشاشته، بل نحن من صهرنا هذا الزجاج في أفران دلالنا الزائد، أما آن الأوان لنسمح لأبنائنا بأن «يتعثروا» قليلاً، وأن «يتحملوا» قليلاً، وأن «ينتظروا» كثيراً فالحياة ليست سجادة حمراء، بل هي طريق وعر، وأفضل ما نهديه لأبنائنا ليس «حذاءً ذهبياً»، بل «أقداماً قوية» قادرة على السير فوق الصخور.