د. إبراهيم بن جلال فضلون
ليست قوة الاقتصاد في ازدهاره فقط، بل في قدرته على الصمود حين تضطرب الموازين، بما يعنى أن الاستقرار الاقتصادي ليس سكوناً في وجه الريح، بل هو متانة المرساة حين تشتد العواصف؛ في لحظة تاريخية تتشابك فيها السياسة بالحرب، وتختلط فيها الأسواق بالمدافع، لتكون العبقرية السيادية هنا أن لا تظهر في أوقات الرخاء، بل في القدرة على تحويل الصدمات الجيوسياسية إلى فُرص للتحصين الهيكلي، وسط عالم يرتجف تحت وطأة حربٍ شعواء، وبينما تقفز أسعار الطاقة في عواصم كبرى بنسب تتجاوز 30 %، والتي لامست 120 دولاراً لخام برنت، وتئن اقتصادات ناشئة تحت وطأة تعطل سلاسل الإمداد، تبرز المملكة العربية السعودية كجزيرة من الاتزان السعري والتمويني، متحديةً قوانين الاضطراب التي فرضتها المواجهات في مضيق هرمز، حيثُ حافظت السعودية على معدل تضخم مستقر تراوح بين 1.7 % و2.2 % خلال 2025 وبداية 2026.. ويبرز سؤال جوهري: لماذا تتهاوى اقتصادات كبرى تحت ضغط الأزمات، بينما تحافظ السعودية على استقرارها بثقة لافتة؟.
الإجابة لا تكمن في الصدفة، بل في هندسة اقتصادية عميقة، بُنيت على مدى سنوات، لتجعل من الاستقرار خيارًا استراتيجيًا لا نتيجة ظرفية. فقد أظهر الاقتصاد السعودي «مرونة فائقة واستقرارا لم يكن عابرًا، وهو نتاج لثلاثة محاور رئيسة، اولاها ربط الريال بالدولار ما قلصّ من تقلبات أسعار الواردات، تُم الدعم الحكومي المباشر الذي امتص صدمات ارتفاع الطاقة والغذاء، وأخيراً مرونة الإيرادات النفطية بارتفاع النفط بين 15 و50 %، متجاوزًا 120 دولارًا للبرميل في بعض الفترات، وهُنا تتجلى المفارقة، فبينما تتحول الأزمات في دول أخرى إلى تضخم جامح، تتحول في السعودية إلى فرص مالية لتعزيز الاستقرار.
«بترولاين»، ذلك الشريان البديل الذي يتحدى مُعضلة هُرمز، الذي يمر عبره نحو 30 % من تجارة الأسمدة عالميًا، وبترولاين هو «الرئة البديلة» في رؤية السعودية من خلال خط أنابيب «شرق-غرب» (بترولاين)، فأعاد توجيه الصادرات نحو البحر الأحمر، بعيدًا عن مناطق التوتر، وبالتالي نجحت المملكة في ضخ نحو 7 ملايين برميل يومياً خلال الأسبوع الأخير من مارس 2026، وبهذا التحول، لم تعد الجغرافيا قيدًا، بل أصبحت أداة سيادية لإدارة المخاطر، كرسالة ثقة للأسواق الدولية بأن أمن الإمدادات السعودية «محرر» من القيود الجغرافية الضيقة، مما قلل من أثر «علاوة المخاطر» على الاقتصاد الوطني.
وفي ضجيج الانكماش سجل مؤشر مديري المشتريات للقطاع غير النفطي في مارس 2026 قراءة بلغت 48.8 نقطة (دون مستوى النمو 50)، مقارنة بـ 56.1 نقطة في فبراير، وهو رقم لا يعكس تراجعاً في الطلب، بل هو «انكماش عرضي» ناتج عن صدمات العرض والفاقد المؤقت في الكفاءة الإنتاجية بسبب التوترات.
وفي المقابل ومع سيولة نقدية (M3) قياسية بلغت 3.218 تريليون ريال، يظل النشاط الخاص مدعوماً بقاعدة نقدية صلبة قادرة على الانطلاق مجدداً فور استقرار الأفق السياسي، ومع استقرار الإنفاق الاستهلاكي عند نحو 13 مليار ريال أسبوعيًا، ما يعني أن الأساس الاقتصادي لا يزال متينًا، رغم الضوضاء الظرفية.
وبينما تحذر التقارير الدولية وبنك أوف أمريكا من خطر فقدان 70 % من إمدادات اليوريا (الأسمدة) عالمياً وارتفاع أسعار الغذاء، كانت السعودية تحصد ثمار استراتيجية «السنوات الخمس»، التي تضاعف فيها الناتج الزراعي السعودي إلى 118 مليار ريال في 2025، مقارنة بـ 67 ملياراً في 2020. حققت المملكة أرقاماً مبهرة وصولاً للاكتفاء الذاتي، مدعومًا بـ 1900 مصنع أغذية واستثمارات تتجاوز 88 مليار ريال، ما يعني أن المملكة انتقلت من مستهلك قلق إلى منتج آمن غذائيًا.
وهُنا لابد أن نُشيد بدور صندوق الاستثمارات العامة، الذي تحول إلى «مهندس الأمن القومي الاقتصادي»، وتوطين سلاسل القيمة باستثمارات تتجاوز 2.3 مليار ريال، وتحويل المنتجات التراثية إلى رافد اقتصادي عالمي، وتحفيز القطاع الخاص، وبناء منظومة اقتصادية مكتفية وقابلة للتصدير، مما خلق منظومة إنتاج محلية لا تتأثر بتقلبات الشحن الدولي.
ومن جوهر الرؤية «الدولة تقود… والقطاع الخاص يُنجز»، كان تمكين القطاع الخاص، من خلال ضخ الاستثمارات في شركات كبرى وتحويلها إلى ريادة إقليمية، هو الضمانة الحقيقية لاستدامة النمو. وجذب استثمارات تصل إلى 78 مليار ريال مستقبلاً في قطاع الغذاء، وهنا تكمن الرسالة الأعمق: أن الاستقرار ليس حالة… بل صناعة وطن، لأن الاقتصاد الذي يُبنى على التنويع، لا يخشى التقلب، والسعودية اليوم تقدم نموذجًا واضحًا في عالم مضطرب، لم تعد القوة في امتلاك الموارد فقط، بل في إدارة هذه الموارد بوعي استراتيجي.
وقفة:
«إنّ بناء الأوطان لا يُكتمل إلا بتحويل التحديات إلى لبنات في جدار السيادة؛ والرهان الحقيقي ليس على ما نملك من موارد، بل على كيفية إدارتها في ساعة العسرة.» لذا علينا التلاحم بخبراتنا الوطنية الاستثنائية مع رؤية قيادية حكيمة، فالمستقبل لا يحابي إلا من استعد له بـ «حصافة الفكر» و»قوة الإنتاج».