د. عيسى محمد العميري
في ظل التطورات الأخيرة في الحرب القائمة في الخليج العربي.. برزت خطوة فرض الحصار البحري على إيران كأحد أخطر التطورات التي قد تعيد تشكيل ملامح الصراع القائم. هذه الخطوة، التي يُنظر إليها من زاويتين متناقضتين، تطرح تساؤلات عميقة حول ما إذا كانت وسيلة فعالة للردع وفرض التوازن، أم أنها تمهيد لتصعيد مفتوح قد تخرج تداعياته عن السيطرة.
فمن الناحية الاستراتيجية، يُعد الحصار البحري أداة ضغط تقليدية تُستخدم لإضعاف الخصم دون الدخول في مواجهة برية مباشرة. فمن خلال تقييد حركة الملاحة ومنع وصول الإمدادات، يمكن التأثير على القدرات الاقتصادية والعسكرية للدولة المستهدفة. وفي الحالة الإيرانية، حيث تعتمد طهران على تصدير النفط واستيراد بعض الاحتياجات الحيوية، فإن أي تعطيل للممرات البحرية يمثل ضربة مؤلمة قد تدفعها لإعادة حساباتها!.. ولكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن إيران تمتلك خبرة طويلة في التعامل مع مثل هذه الضغوط، وقد طورت عبر السنوات أدوات غير تقليدية للرد، سواء من خلال تهديد الملاحة في مضيق هرمز، أو عبر استخدام حلفائها في المنطقة لفتح جبهات متعددة. وهذا ما يجعل الحصار البحري خطوة محفوفة بالمخاطر، إذ قد يُقابل بردود فعل غير متوقعة تتجاوز الإطار التقليدي للصراع. وعلى الصعيد الاقتصادي فإن الوضع لا يقتصر تأثير الحصار على إيران وحدها، بل يمتد ليشمل دول الخليج والعالم بأسره. فالمياه الخليجية تُعد شريانًا حيويًا لتدفق الطاقة العالمية، وأي اضطراب فيها ينعكس فورًا على أسعار النفط وأسواق الطاقة. وبالتالي، فإن استمرار الحصار أو تصاعده قد يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار الاقتصادي العالمي، وهو ما لا ترغب به حتى الدول الكبرى الداعمة لهذه الخطوة.
أما على المستوى السياسي، فإن الحصار البحري يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي. فبينما ترى بعض الدول أنه إجراء مشروع لردع التهديدات، تعتبره أطراف أخرى تصعيدًا قد يقوض فرص الحلول الدبلوماسية. وفي ظل هذا الانقسام، تتراجع فرص التهدئة، ويزداد خطر الانزلاق نحو مواجهة أوسع. فدول الخليج، من جانبها، تجد نفسها في موقع حساس. فهي من جهة معنية بحماية أمنها واستقرارها، ومن جهة أخرى تدرك أن أي تصعيد كبير سيجعلها في قلب المواجهة. لذلك، تبرز الحاجة إلى موازنة دقيقة بين دعم إجراءات الردع والحفاظ على قنوات الحوار، بما يضمن عدم تحول المنطقة إلى ساحة صراع مفتوح.
** **
- كاتب كويتي