صبحي شبانة
في فضاءٍ إقليمي يزداد اشتعالًا مع مرور الوقت، تتداخل فيه خطوط السياسة بالميدان على نحوٍ غير مسبوق، لم تعد الصورة تحتمل كثيرًا من التأويلات الهادئة أو القراءات المتفائلة، فالمشهد بات أقرب إلى حالة اختبار قاسية تقف فيها منطقة الشرق الأوسط على حافة احتمالين متناقضين، إما انفتاحٌ سياسي شديد الحذر نحو تسوية لا تزال ملامحها ضبابية ومثقلة بالتناقضات، أو انزلاقٌ متدرج نحو موجة جديدة من التصعيد، قد تكون أوسع نطاقًا وأكثر تعقيدًا من سابقاتها.
وفي قلب هذه المعادلة، تتحرك الأطراف الفاعلة داخل مساحة سياسية وأمنية ضيقة، تتراجع فيها الثقة إلى أدنى مستوياتها، بينما تتقدم فيها لغة القوة بوصفها العامل الأكثر حضورًا وتأثيرًا، فبين طاولة مفاوضات لا تزال نتائجها معلقة، وساحات ميدان لا تهدأ فيها مؤشرات الاستعداد، تتكشف حقيقة المشهد فلا أحد يراهن على النوايا وحدها، ولا طرف مستعد لتقليص أوراقه الاستراتيجية قبل اتضاح اتجاه الرياح.
والأخطر من ذلك أن هذا التداخل بين المسارين السياسي والعسكري لم يعد طارئًا أو استثنائيًا، بل بات سمة بنيوية تحكم إدارة الصراع، فكل إشارة تهدئة تقابلها خطوات ميدانية محسوبة، وكل محاولة لفتح نافذة تفاوض تُقابل بقدر موازٍ من إعادة التموضع ورفع الجاهزية، بما يعكس إدراكًا متبادلًا بأن المرحلة لم تصل بعد إلى نقطة توازن مستقرة، وأن كل طرف يتحرك من موقع التحسب لا الاطمئنان، إننا أمام مشهد لا يكتفي بإعادة إنتاج التوتر، بل يعيد صياغة شروطه باستمرار، في ظل غياب أرضية سياسية صلبة يمكن البناء عليها، وهكذا تتحول المنطقة إلى ساحة مفتوحة على كافة الاحتمالات، حيث لا تُقاس التطورات بمدى اقترابها من الحل، بقدر ما تُقاس بقدرتها على تأجيل الانفجار أو التعجيل به، حيث لا تبدو المسافة بين التهدئة والتصعيد مجرد فاصلة زمنية قصيرة، بل خطًا هشًا قابلًا للانكسار في أي لحظة، ما يجعل المشهد برمته أقرب إلى معادلة مفتوحة، لا تحكمها قواعد ثابتة بقدر ما تحكمها توازنات متغيرة وسريعة التحول، في إقليم لم يحسم بعد شكل مرحلته القادمة، ولا طبيعة استقراره إن كُتب له أن يتحقق أصلًا.
فالحديث عن حالة خفض التوتر الراهنة لا يمكن فصله عن طبيعة الصراع ذاته، الذي لم يعد محصورًا في جغرافيا واحدة أو ساحة محددة، بل بات شبكة ممتدة من التداخلات الإقليمية والدولية، حيث تتقاطع مصالح القوى الكبرى مع حسابات القوى الإقليمية، وتتداخل الأهداف المعلنة مع الأجندات غير المعلنة، وفي هذا السياق، يصبح أي تحرك تفاوضي أو عسكري جزءًا من صورة أكبر واكثر غموضا لا يمكن فهمها بمعزل عن سياقها العام.
على طاولة المفاوضات، تبدو الصورة معقدة إلى حد كبير، فالجولة الأولى من المحادثات التي استضافتها العاصمة الباكستانية إسلام آباد انتهت دون اختراق حقيقي، بعدما غادر كل من الجانب الأمريكي والإيراني دون مؤشرات على تقدم ملموس، في مشهد عكس حجم الهوة بين الطرفين، ليس فقط على مستوى التفاصيل، بل على مستوى الرؤية الكلية لطبيعة المرحلة المقبلة، تلك الجولة، التي كان يُعوَّل عليها لفتح نافذة أولية نحو التفاهم، تحولت إلى دليل إضافي على أن الطريق لا يزال طويلًا وشاقًا، وأن المسافة بين المواقف لا تقاس فقط بالمطالب، بل بغياب الثقة المتبادلة أيضًا.
وفي الخلفية، لا يمكن تجاهل أن هذا المسار التفاوضي لا يتحرك في فراغ، بل في ظل مشهد إقليمي بالغ التعقيد، تتصدره مواجهة غير مباشرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وهي مواجهة لا تُدار فقط عبر البيانات السياسية أو القنوات الدبلوماسية، بل تمتد إلى ساحات متعددة تتداخل فيها الرسائل العسكرية مع أدوات الضغط السياسي والاقتصادي، وفي هذا الإطار، تبدو كل خطوة محسوبة بدقة، لأن أي تغيير في ميزان القوى، حتى وإن بدا محدودًا، يمكن أن ينعكس على إقليم منطقة الشرق الاوسط بكامله.
لكن ما يلفت الانتباه في هذه المرحلة تحديدًا، أن حالة خفض التوتر لا تُترجم بالضرورة إلى انحسار في التحركات الميدانية، فعلى الأرض، لا تزال مؤشرات إعادة التموضع العسكري قائمة، إلى جانب استمرار عمليات تعزيز القدرات وإعادة توزيع مراكز النفوذ، في دلالة واضحة على أن منطق الاستعداد للمواجهة لم يغادر المشهد، فكل طرف، وإن انخرط في مسار تفاوضي، لا يزال يحتفظ بأوراقه الاستراتيجية، تحسبًا لاحتمالات انهيار المسار السياسي في أي لحظة.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية في المشهد، فبينما يُفترض أن تمهد فترات التهدئة لمسارات بناء الثقة، فإن الواقع يشير إلى أن هذه الفترات غالبًا ما تتحول إلى فرص لإعادة ترتيب الأوراق، وليس بالضرورة لإعادة بناء جسور من استعادة الثقة، وهو ما يجعل من أي تقدم سياسي أمرًا بالغ الصعوبة، في ظل غياب أرضية مشتركة يمكن الانطلاق منها نحو تفاهمات أوسع.
إن التجربة التاريخية في هذا النوع من الصراعات تؤكد أن خفض التوترات المؤقت قد يشكل فرصة نادرة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك، لكنه في الوقت ذاته قد يتحول إلى مرحلة انتقالية نحو تصعيد أكبر إذا لم يُدعّم بإرادة سياسية حقيقية، ورغبة متبادلة في تقديم تنازلات مؤلمة ولكن ضرورية، وفي غياب هذه العناصر، تصبح المفاوضات أقرب إلى إدارة أزمة منها إلى حلها.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن مجرد استمرار قنوات الاتصال بين الأطراف يمثل عنصرًا مهمًا في حد ذاته، إذ يمنع الانزلاق الكامل نحو المواجهة المفتوحة، ويتيح مساحة، ولو ضيقة، لإعادة تقييم الخيارات، فالدبلوماسية، رغم هشاشتها أحيانًا، تظل أحد أهم أدوات احتواء الصراع في المراحل الحرجة، حتى وإن لم تحقق اختراقات فورية.
في المقابل، فإن فشل هذا المسار، أو تعثره المستمر، لا يعني مجرد العودة إلى نقطة البداية، بل قد يفتح الباب أمام مرحلة أكثر خطورة، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الأزمات الاقتصادية والضغوط السياسية، ما يجعل إدارة الصراع أكثر تعقيدًا وأعلى كلفة على جميع الأطراف دون استثناء، ومن هنا، يبدو المشهد الإقليمي اليوم أقرب إلى اختبار مفتوح لإرادات الفاعلين الدوليين والإقليميين على حد سواء، اختبار لقدرتهم على تحويل حالة التوتر القائمة إلى مسار قابل للضبط، أو تركها تنزلق تدريجيًا نحو موجة جديدة من التصعيد، وبين الخيارين، تتحدد ملامح المرحلة المقبلة، ليس فقط في منطقة واحدة، بل في الإقليم بأسره.
وفي كل الأحوال، فإن ما يجري اليوم على طاولة المفاوضات أو في سباق التحشيد العسكري، ليس مجرد تطورات آنية، بل هو جزء من عملية إعادة تشكيل أوسع لمعادلات القوة والنفوذ في المنطقة، وهي عملية لا تزال في طور التشكل، ولم تصل بعد إلى نقطة الاستقرار أو الحسم.
وبين نجاح مسار التهدئة وفشله، يبقى الثابت الوحيد أن المنطقة تقف على عتبة مرحلة شديدة الحساسية، حيث لا توجد ضمانات نهائية، ولا نتائج محسومة مسبقًا، بل احتمالات مفتوحة على أكثر من اتجاه، ينتظر كل منها لحظة ترجمة على أرض الواقع.
وختاما، فإن إقليم منطقة الشرق الاوسط لا يبدو مقبلًا على لحظة استقرار سريعة، بقدر ما يبدو منخرطًا في مرحلة إعادة تشكيل عميقة لمعادلاته السياسية والأمنية، فالمسارات الدبلوماسية، مهما بدت نشطة، لا تزال محكومة بقواعد الميدان، والميدان بدوره لا يتحرك بمعزل عن حسابات كبرى تتجاوز أطراف الصراع المباشرين، وبينما تتأرجح الجهود بين التهدئة والتصعيد، تبقى الحقيقة الأبرز أن أي اختراق حقيقي لن يولد من إدارة الأزمة، بل من قرار سياسي شجاع يعيد تعريف الممكن والمستحيل في آن واحد، وحتى يتحقق ذلك، سيظل المشهد مفتوحًا على احتمالاته كافة، بلا ضمانات، وبلا سقف نهائي سوى ما تفرضه موازين القوة على الأرض.