فاطمة الجباري
ليست كلّ البدايات صادقة، ولا كلّ النهايات خيانة.
بينهما مساحة واسعة تُسمّى الحياة، تتبدّل فيها الوجوه، وتُختبر فيها العلاقات، ويظهر فيها المعدن الحقيقي للناس.
لذلك جاءت الحكمة عميقة حين قالت:
«لا معوَّل على إقبال أحدٍ عليك، حتى يجاوز ثلاثًا...» فهي لا تدعو إلى التشاؤم، بقدر ما تدعو إلى الفهم الناضج لطبيعة البشر.
فحين تضيق الأيام، وتتكاثر الالتزامات، وتثقل المسؤوليات كاهل الإنسان، ينشغل عمّن حوله، لا قسوةً بالضرورة، بل لأن الحياة تُعيد ترتيب الأولويات.
هنا يظهر السؤال الحقيقي:
من الذي، رغم هذا الثقل، لا يزال يجد لك مساحة في قلبه ووقته؟ ليس المطلوب حضورًا دائمًا، بل حضورٌ صادق لا تبتلعه الأعذار. من يذكرك في زحمة الحياة، هو من اختارك، لا من صادفك.
أما المحطة الثانية فهي زوال دهشة البداية، إذ في البدايات، كل شيء لامع، الكلمات متدفقة، والاهتمام فائض.
لكن هذه المرحلة لا تدوم؛ إذ سرعان ما تنحسر الحماسة، ويخفت بريق الاكتشاف.
هنا يُختبر العهد:
هل يتحول الإعجاب إلى وفاء؟ هل يستمر الودّ حين يصبح الآخر مألوفًا لا جديد فيه؟ العلاقات الحقيقية لا تقوم على الدهشة، بل على الثبات بعد انطفائها.
فمن أحسن العهد بعد زوال البدايات، فقد أحبّ بصدق، لا بانبهار عابر.
ثم تأتي المحطة الثالثة، وهي الأشدّ كشفًا:
إقبال الدنيا وإدبارها، فحين تُقبل الدنيا على أحدهم، تتسع دائرته، ويزدحم حوله الناس، وقد ينسى من كانوا معه في البدايات. وحين تُدبر عنك، يقلّ الجمع، وتنكشف المسافات.
في هذا التباين الحاد، يظهر الثابتون: أولئك الذين لا تغيّرهم الوفرة، ولا تُبعدهم القلة. يظلّون حيث كانوا، لا لأن الظروف متشابهة، بل لأن قلوبهم لا تتبدّل بتبدّل الأحوال.
إن هذه الثلاث ليست شروطًا قاسية، بل مراحل طبيعية تمرّ بها كل علاقة.
لكنها، في الوقت ذاته، ميزان دقيق يُفرّق بين العابر والأصيل، بين من حضر بدافع اللحظة، ومن بقي بدافع المعنى.
والحكمة الأعمق هنا ليست في مراقبة الآخرين فقط، بل في مراجعة أنفسنا:
هل نحن ممن يثبتون حين تثقل الحياة؟
هل نحسن العهد بعد أن تهدأ البدايات؟
هل نبقى أوفياء حين تتغيّر الموازين؟
فالعلاقات ليست امتحانًا للآخرين وحدهم، بل مرآة نرى فيها أنفسنا.
ومن أراد صدق الرفقة، فليكن هو أول الصادقين، ومن طلب الوفاء، فليغرسه في سلوكه قبل أن ينتظره من غيره.
في النهاية، لا يُقاس الودّ بكثرة اللقاء، ولا بوهج البداية، بل بقدرة القلب على الثبات حين تتغيّر كل الأشياء..