عمرو أبوالعطا
في صمت المكاتب الاستراتيجية في واشنطن، حيث تتشابك الخرائط مع السيناريوهات الافتراضية، وتهتز الجداول العسكرية أمام صعود قوى كبرى، يظهر كتاب إلبريدج كولبي «The Strategy of Denial» كنافذة عميقة تطل على عقل السياسة الدفاعية الأمريكية في لحظة حرجة من تاريخها، لحظة يعاد فيها التفكير في الهيمنة والسلطة والنفوذ العالمي.
الكتاب، الذي أصدرته دار نشر جامعة يال عام 2021، يتجاوز كونه مجرد تحليل أكاديمي أو دراسة تقنية ليصبح خارطة طريق للأفكار التي تشكل خيارات واشنطن في زمن صعود الصين، وتهديدات جديدة على الأمن الدولي، وتغيرات جوهرية في طبيعة الحروب والنفوذ العسكري والسياسي والاقتصادي.
كولبي، الذي كان من مهندسي استراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية لعام 2018 وشغل مناصب قيادية في وزارة الدفاع، يقدم في كتابه رؤية تتجاوز المفاهيم التقليدية، رؤية تستند إلى خبرة عملية ومقاربة فكرية دقيقة، تتعامل مع متغيرات القوة الكبرى بأسلوب يمزج بين الواقعية والجرأة الفكرية.
ينطلق الكتاب من إدراك أن الهيمنة الأمريكية المطلقة، التي امتدت منذ انهيار الاتحاد السوفيتي وحتى العقدين الأخيرين من القرن العشرين، دخلت مرحلة إعادة تعريف. صعود الصين كقوة إقليمية ودولية متنامية يفرض على واشنطن التفكير بعمق في أدواتها الاستراتيجية، في تحالفاتها، في قدرتها على الصمود أمام منافس قادر على تحدي توازن القوى التقليدي.
يقترح الكاتب إعادة توجيه الاستراتيجية الأمريكية من محاولة الحفاظ على الهيمنة العالمية الشاملة إلى تكوين أدوات منع فعالة، استراتيجية تعتمد على ضبط النفوذ الصيني في آسيا والمحيط الهادئ، دون الدخول في مواجهات مفتوحة قد تثقل كاهل الدولة الأمريكية سياسياً وعسكرياً واقتصادياً.
* السياق التاريخي للأهمية الاستراتيجية
للقراءة العميقة لمفهوم كولبي، يتطلب التوقف عند اللحظة التاريخية التي أعقبت الحرب الباردة، حيث ظهرت الولايات المتحدة كالقوة الوحيدة الفاعلة على المسرح العالمي، تمتلك القدرة على إعادة تشكيل النظام الدولي وفق مصالحها. تلك المرحلة، التي يسميها المفكرون الاستراتيجيون «اللحظة الأحادية القطب»، شهدت تفوقاً أمريكياً شاملاً في المجالات العسكرية والاقتصادية والثقافية، شكلت فرصة لتطبيق استراتيجيات هيمنة غير مسبوقة. الولايات المتحدة استطاعت خلالها بناء تحالفات دولية مرنة، وصياغة قواعد اقتصادية وسياسية، وفرض رؤية عالمية تدور حول مصالحها، بينما اختفت التحديات الكبرى على مستوى القوى العظمى.
مع بداية القرن الحادي والعشرين، تغيرت الموازين بشكل جذري، وظهرت الصين بقوة متزايدة، مدفوعة بنمو اقتصادي هائل، تطور تكنولوجي متسارع، وقدرات عسكرية متقدمة، مما جعل فكرة الهيمنة الأمريكية المطلقة على المسرح العالمي قابلة للمراجعة. كولبي يضع هذا التحول في قلب تحليله، موضحاً أن التنافس بين القوى الكبرى عاد بشكل أعمق وأكثر تعقيداً، مع ظهور معايير جديدة للصراع تتجاوز البعد العسكري لتشمل الاقتصاد، التكنولوجيا، النفوذ الدبلوماسي، وأشكال الحرب غير التقليدية.
* جوهر استراتيجية الإنكار
يقدم كولبي ما سماه استراتيجية الإنكار، التي تهدف إلى منع الصين من تحقيق هيمنة إقليمية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، دون الانغماس في نزاع شامل قد يقوض الاستقرار الدولي ويكبد الولايات المتحدة تكلفة باهظة. يقوم هذا المفهوم على مجموعة من المبادئ الأساسية، أولها تحديد المناطق والمحاور الحيوية التي ينبغي للولايات المتحدة السيطرة على قدرتها فيها، مع تعزيز الحضور العسكري وتطوير أنظمة ردع متقدمة، تتيح إدارة التهديدات بفعالية دون الاعتماد على فرض السيطرة على كل المسارح العالمية.
الاستراتيجية تركز على استخدام القوة بشكل انتقائي، اعتماداً على ميزات نسبية محددة، مع الحرص على تطوير القدرات الدفاعية والهجومية بما يضمن ردع أي محاولة للتوسع الإقليمي، وفي الوقت ذاته تعزيز الشراكات والتحالفات مع الدول الحليفة، بما يخلق شبكة أمنية متعددة الطبقات تفرض قيوداً على الطموحات الصينية دون الوصول إلى مواجهة مفتوحة.
* إعادة تقييم التهديدات والصراعات المستقبلية
يدعو الكاتب إلى قراءة دقيقة للتهديدات في القرن الحادي والعشرين، حيث تتنوع أشكال الصراع بين تقليدي وغير تقليدي، يشمل الحروب السيبرانية، الحروب الاقتصادية، النزاعات في الفضاء الإلكتروني، والقدرة على تعطيل شبكات المعلومات الحيوية. هذا التنوع يتطلب من صناع القرار الأمريكي تبني نهج استراتيجي مرن، يعتمد على المعلومات الدقيقة، التحليل المستمر للمناخ السياسي والاقتصادي العالمي، والقدرة على اتخاذ قرارات سريعة وفعالة في مواجهة أي تحديات طارئة.
الكتاب يعيد النظر في مفاهيم القوة التقليدية، موضحاً أن الاعتماد على التفوق العسكري وحده لم يعد كافياً، وأن تكامل القدرات الاقتصادية والدبلوماسية والتكنولوجية أصبح محورياً. الولايات المتحدة مطالبة ببناء مزيج من الأدوات التي تمكنها من فرض قيود على أي منافس، مع الحفاظ على القدرة على التحرك بسرعة في حالة ظهور تهديدات غير متوقعة، واحتواء النزاعات قبل أن تتصاعد إلى مواجهات شاملة.
* الدروس العملية لصناع القرار
من خلال خبرته الطويلة في وزارة الدفاع، يقدم كولبي مجموعة من الدروس العملية لصانعي السياسة الأمريكية، تتعلق بتوزيع الموارد، بناء التحالفات، وتطوير تقنيات متقدمة للردع. يشرح الكتاب كيف يمكن لواشنطن الاستفادة من تفوقها في التكنولوجيا العسكرية، نظم المعلومات، الاستخبارات، والتحالفات الدولية لتطبيق استراتيجية الإنكار بفعالية. كما يشدد على أهمية الاستدامة في الإنفاق الدفاعي، مع التركيز على المشاريع طويلة الأمد التي تعزز القدرة على الردع ومنع أي اختراق استراتيجي من قبل القوى المنافسة.
هو يقارن بين استراتيجيات الماضي والحاضر، مشيراً إلى أن النهج الذي نجح في مرحلة الهيمنة الأمريكية الأحادية القطب يحتاج إلى إعادة صياغة، مع إدراك أن العالم أصبح أكثر تعددية وتداخل مصالحه أكثر تعقيداً. هذا التحليل يضع الكتاب في مرتبة مرجعية لكل من يرغب في فهم التحولات الكبرى في السياسة الدفاعية الأمريكية، والفكر الاستراتيجي الذي يقوده صناع القرار في واشنطن اليوم.
* تحولات النظام الدولي والتحديات المستقبلية
مع تصاعد النفوذ الصيني وظهور قوى صاعدة أخرى، يشير كولبي إلى أن النظام الدولي يتجه نحو مرحلة تنافس متعدد الأقطاب، حيث تتغير قواعد اللعبة، وتتعدد مسارات الصراع، وتتزايد أهمية التحالفات الإقليمية والدولية. هذه المرحلة الجديدة تتطلب مرونة عالية في صياغة السياسات، قدرة على التكيف مع التغيرات المفاجئة، وبناء استراتيجيات يمكن تعديلها وفقاً للظروف المتغيرة.
استراتيجية الإنكار تمثل نموذجاً لفهم هذه التحولات، حيث توفر إطاراً عملياً يسمح للولايات المتحدة بالمحافظة على نفوذها في المناطق الحيوية، دون الاعتماد على الهيمنة الشاملة، وتتيح فرصة لإعادة التفكير في العلاقة مع الحلفاء، تقييم قدرة الخصوم، وإعادة توزيع الموارد بطريقة تعزز الاستقرار الدولي مع حماية المصالح الأمريكية الحيوية.
ينتهي الكتاب بتوجيه دعوة عميقة لصانعي القرار والمفكرين الاستراتيجيين، لمراجعة المبادئ القديمة، وتبني أدوات جديدة تتناسب مع طبيعة الصراع في القرن الحادي والعشرين. كولبي لا يقدم وصفة جاهزة، لكنه يفتح باب التأمل في كيفية إدارة القوة، بناء التحالفات، وتطبيق استراتيجيات تمنع توسع النفوذ دون إشعال صراعات لا تحتملها السياسة الدولية المعاصرة.
الكتاب يصبح مرجعاً فريداً لفهم التحولات الكبرى، لم يكن مجرد تحليل للحاضر، بل رؤية مستقبلية تحاكي التعقيدات التي ستواجهها القوى العظمى في العقود القادمة، وتؤكد أن الفكر الاستراتيجي هو المفتاح للحفاظ على الأمن، الاستقرار، والقدرة على التأثير في عالم يتغير بسرعة.