أ.د.عبدالله بن عبدالرحمن الحيدري
حينما بدأت التخطيط والتفكير لكتابة مقال عن الأستاذ محمد علي قدس بمناسبة تكريمه في ملتقى قراءة النص الثاني والعشرين (1447هـ/2026م)، بحثت عن مؤلفاته الموجودة في مكتبتي، فوجدت الكتب التالية: هموم صغيرة (قصص، وصدر عن نادي جدة الأدبي عام 1404هـ/1984م)، وحوار الأسئلة الشائكة (مقالات، وصدر عن نادي جدة الأدبي عام 1417هـ/1996م)، والعوّاد رائد التجديد (صدر عن نادي جدة الأدبي عام 1428هـ/2007م)، وأيام مع العوّاد: في صحبة عبقري حالم (صدر عن المجلة العربية عام 1446هـ/2025م)، وهذه الكتب مع أنها لا تشمل كل إنتاجه، فإنها تمثل جوانب واضحة من اهتماماته التي ظلت معه مذ بدأ الكتابة وحتى اليوم إذ تقدمه قاصًا، وكاتب مقالة، ومؤرّخًا لحياة واحد من رواد الأدب في المملكة، وهو الأستاذ محمد حسن عوّاد (ت1400هـ/1980م) رحمه الله.
ومع أن دراسته وعمله الحكومي الرسمي لم يكن على صلة بالجوانب الثقافية، فإنه حاول أن يوفق بين العمل الحكومي صباحًا، والعمل الثقافي مساء، ونجح إلى حد كبير إذ كان له حضور متواصل لم ينقطع منذ أن بدأت صلته بالوسط الثقافي وحتى اليوم، وهو يعني أنه كان على صلة وثيقة بالقراءة والاطلاع والمتابعة للحركة الثقافية والتفاعل معها بالكتابة والتأليف وإدارة الشأن الثقافي في نادي جدة الأدبي.
ويمكن النظر إلى مسيرة الأستاذ محمد علي قدس من ثلاثة جوانب مهمة، وهي:
الجانب الأول: الإدارة الثقافية، وصلته بالنادي الأدبي الثقافي بجدة، ثم بجمعية أدبي جدة منذ سنوات التأسيس الأولى، وحتى اليوم إذ التحق بجمعية أدبي جدة بعد تحول النادي إلى جمعية تتبع المركز الوطني للقطاع غير الربحي، أو القطاع الثالث.
الجانب الثاني: التجربة الكتابية والتأليف، بوصفه قاصًا، وكاتب مقالة، ومؤلفًا للمجموعات القصصية، والمجموعات المقالية، ولكتب عن محمد حسن عوّاد.
الجانب الثالث: التجربة الإعلامية، وصلته بالصحافة والإذاعة مدة طويلة كاتبًا، ومعدًا للبرامج الإذاعية الثقافية، ورئيسًا لتحرير مجلة (الطيران المدني).
- وإذا توقفنا عند الجانب الأول وجدنا أنه ارتبط بنادي جدة الأدبي الثقافي منذ سنواته الأولى، وكان عمره وقتها لم يصل إلى الثلاثين بعد، ويكشف الكتاب الصادر عن النادي، وعنوانه «مسيرة أربعين عامًا»، وصدر في عام 1435هـ/2014م عن صلته بالنادي رسميًا إذ يحمل العضوية رقم (2)، وهي تعني انتسابه إلى الجمعية العمومية للنادي، وأنه ارتبط بالمجلس الأول للنادي حينما استعان به أمينًا، ويظهر من حديث الأستاذ قدس عن صلته بالعواد أنه التحق بالنادي في بداية عام 1397هـ، وهو ما يُفهم من قوله في كتابه الأخير عن العواد الصادر عن المجلة العربية: «بعد مرور عامين من تأسيس النادي طلب مني أن أكون سكرتيرًا له في النادي»، ثم حدد صحبته للعواد بأنها نحو ست سنوات، وهي مدة شكّلت أهمية قصوى في حياة قدس ومسيرته الثقافية والكتابية والإدارية، وجعلته وثيق الصلة بالنادي مدة زادت على نصف قرن، ويعد من أبرز الأسماء التي عملت في النادي دون انقطاع تقريبًا، وهي مزية لا نكاد نجدها إلا في القلة القليلة من الأدباء.
- وقد تدرّج في النادي من سكرتير (أو أمين) في المجالس: الأول والثاني والثالث والرابع، إلى أن اكتسب عضوية مجلس الإدارة في المجلس الخامس عام 1404هـ/1984م برئاسة الأستاذ عبدالفتّاح أبو مدين رحمه الله، إضافة إلى تكليفه بأن يكون أمينًا لسر النادي، ثم خرج من المجلس السادس (1427هـ/2006م)، وكذلك السابع (1432هـ/2011م)، ثم عاد مرة أخرى لمجلس إدارة جمعية أدبي جدة عام (1447هـ/2025م)، وهذا يعني أن عمله امتد في نادي جدة ثلاثين سنة متواصلة (1397ـ1427هـ)، ولكن المدة التي خرج فيها من مجلس الإدارة لا تعني أنه قطع الصلة بالنادي إذ كان ضمن هيئة تحرير مجلة الراوي المتخصصة بالقصة القصيرة، وكان عضوًا في بعض اللجان، وشارك بإدارة بعض الفعاليات، ومن هنا يمكننا القول بأنه ارتبط بالنادي والجمعية منذ سنوات التأسيس الأولى وحتى اليوم، كما ألف كتابًا عنوانه «مسيرة الأندية الأدبية» صدر في عام 1425هـ/ 2004م.
- وبادله النادي وفاء بوفاء، ففي السنوات الماضية كان النادي أول من تبنى إصدار مؤلفاته، وأولها كتابه «من وحي الرسالة الخالدة» المطبوع في عام 1399هـ/1979م، ويعد من أوائل مطبوعات النادي، ثم طبع له «هموم صغيرة» عام 1404هـ/1984م، ثم «حوار الأسئلة الشائكة» عام 1417هـ/1996م، ثم «العوّاد رائد التجديد» عام 1428هـ/2007م، ثم توّج النادي (الجمعية حاليًا) وفاءه لقدس بأن أقر تكريمه في ملتقى قراءة النص؛ تقديرًا لعمله المخلص طوال نصف قرن.
- ويفيض قدس في الحديث عن صلته بأول رئيس لنادي جدة الأدبي، وهو الأستاذ محمد حسن عوّاد الذي رأس النادي في المدة من (1395ـ1400هـ)، فيذكر الأعمال التي كلّفه بها بصفته أمينًا للنادي أو سكرتيرًا، ويشير إلى أنه كان يتولى نيابة عنه تحرير الخطابات الخاصة والرسمية، وصياغة محاضر جلسات مجلس الإدارة، وكتابة التقرير السنوي للنادي، ويؤكد في موضع آخر الصلة الوثيقة به خمس سنوات متواصلة، يقول: «عشت خمس سنوات أراه في كل يوم أكثر من مرة، ألازمه كظله»، ومن هنا فليس مستغربًا أن يكتب عنه مقالات عدة، ومنها عشر مقالات ضمها كتاب «العوّاد وهؤلاء» لمحمد سعيد باعشن، إضافة إلى كتابيه: العواد رائد التجديد»، و»أيام مع العوّاد»، وتمخضت صحبته للعواد ونشر بعض رسائله غير المعروفة في الصحافة بعد وفاته عن متاعب لقدس، وخاصة مع أحمد عبدالغفور عطّار، وهو ما أشار إليه في كتابه «أيام مع العواد».
- أما المحور الثاني فهو الأقدم إذ بدأت رحلته مع الكتابة الصحفية ونشر القصص القصيرة قبل التحاقه بالنادي الأدبي، وهي موهبة تكاد تحصره بين جنسين أدبيين، وهما: القصة القصيرة، والمقالة، وأول مؤلفاته في فن القصة، وهي مجموعته «نقطة الضعف» الصادرة في بيروت عام 1979م، ومنا هنا رأيناه يصدر بعد ذلك خمس مجموعات قصصية، وهي: مواسم الشمس المقبلة (1402هـ/1982م)، وهموم صغيرة (1404هـ/1984م)، والنزوع إلى وطن قديم (1405هـ/1984م)، وما جاء في خبر سالم (1416هـ/1995م)، وظمأ الجذور (1433هـ/2012م).
- أما المقالة فقد أخلص لها، ونشر إنتاجه في العديد من الصحف والمجلات المحلية، ثم جمع معظمها في أربعة كتب، وهي: ومضات في الفكر (1978م)، ووحي الرسالة (1980م)، والمعاصرة والكلمات (1994م)، وحوار الأسئلة الشائكة (1996م).
- وهذا يعني أن إنتاجه القصصي والمقالي متقارب، وربما كان إنتاجه القصصي أكثر من المقالي، ومن هنا رأينا معظم المقابلات الصحفية التي أجريت معه تتجه إلى تجربته القصصية، ومنها حوارات مع جريدة الندوة، ومع جريدة الرياض، ومع جريدة المدينة، ومع جريدة عكاظ في المدة من (1406ـ1409هـ)، ويمكن معرفة تواريخ هذه الحوارات بالعودة إلى كتاب «الراصد» للأستاذ خالد اليوسف.
- كما حظيت تجربته القصصية ببعض الدراسات النقدية، ومنها دراسة للدكتور محمد بن سعد بن حسين عن مجموعته القصصية «مواسم الشمس المقبلة» قدّمها في برنامجه الإذاعي «من المكتبة السعودية»، ثم نشرها في الجزء الثاني من كتابه «كتب وآراء» الصادر في عام 1403هـ/1983م، ومقالة للدكتور عثمان الصيني نشرها في جريدة عكاظ عام 1405هـ، وعنوانها «فلسفة الضوء ونزيف الذات: قراءة في قصة (ما جاء في خبر سالم) لمحمد علي قدس»، ودراسة لأحمد بن عبدالله النعمي نشرها في (الأربعاء/ جريدة المدينة) عام 1405هـ، وعنوانها «دراسة ونقد: محمد علي قدس ومجموعته القصصيّة النزوع إلى وطن قديم»، ومقالة لمحمد أحمد عواد نشرها في جريدة عكاظ عام 1406هـ، ومقالة أخرى لعواد كذلك نشرت في عكاظ في عام 1407هـ، غير أننا لا نجد حتى الآن رسالة جامعية (ماجستير، أو دكتوراه) تتجه إلى منجز قدس القصصي، وهو جدير بذلك.-
- أما المحور الثالث والأخير (الإعلامي) فقد جمع فيه قدس بين الدراسة العلمية والممارسة، ويبدو أن طبيعة عمله في رئاسة الطيران المدني لها علاقة بالإعلام والعلاقات العامة، ومن هنا رأيناه يأخذ دورات متخصصة في العلاقات العامة، ثم يلتحق بجامعة الملك عبدالعزيز فيحصل على دبلوم في الصحافة والإعلام، أما شهادته الجامعية فقد حصل عليها في مجال إدارة الأعمال من الولايات المتحدة الأمريكية، وكلّفته رئاسة الطيران المدني مقر عمله برئاسة تحرير مجلة «الطيران المدني».
- وقد خاض قدس مجال الإعلام في النادي الأدبي بجدة إذ طلب منه الأستاذ محمد حسن عوّاد أن يتولى هذا الجانب كما أشار إلى ذلك في مقالاته وكتبه عنه، ثم قاده الشغف الإعلامي إلى أن يعد بعض البرامج الإذاعية الثقافية في إذاعة جدة، فأعد برنامجًا استمر سنوات اسمه (النادي الأدبي)، كما أعد كذلك برنامج (قصة من الأدب السعودي)، وشارك بإعداد بعض الأعمال الدرامية للإذاعة، وهذه النافذة مهمة استطاع خلالها محمد علي قدس أن يحقق أهداف النادي الأدبي وأن ينقل جوانب من فعالياته إلى جمهور المستمعين، ومنهم المستمعون خارج المملكة، كما خدم الأدب السعودي حين انتقى بعض القصص ليقدمها إلى جمهور المستمعين، ويذكر فاروق باسلامة أن تجربته الإذاعية امتدت ربع قرن.
- وهذا العطاء المتنوع لقدس جعل معدي كتب تراجم الأدباء السعوديين يترجمون له ويوثقون مسيرته، ومن أهمها: معجم الكتّاب والمؤلفين في المملكة العربية السعودية الصادر عن الدائرة للإعلام، وقاموس الأدب والأدباء في المملكة العربية السعودية الصادر عن دارة الملك عبدالعزيز، ومعجم الأدباء السعوديين لخالد اليوسف، وهو أحدث الكتب، وصدر في عام 2026م.
- ولعل من التراجم المهمة لقدس ما ورد في كتاب «أدباء ما بعد الرواد في المملكة العربية السعودية» لفاروق باسلامة، ففيه وردت ترجمة مطولة ومفصّلة، وم ما قال عنه: «يتوخى المعلومة المفيدة والفكرة الأدبية الجيّدة».
- أما معرفتي الشخصية بالأستاذ محمد علي قدس فتعود إلى عام 1412هـ/1991م حينما زرت النادي الأدبي بجدة منتدبًا من إذاعة الرياض؛ لتسجيل حلقات من برنامج «كتاب وقارئ»، فالتقيت به في النادي، وشارك معي في تسجيل ثلاث حلقات، واستعرض خلالها ثلاثة كتب، وهي: شموع في ثقافة الأطفال لعبدالتواب يوسف، وشيء من السياسة والأدب لعبدالله منّاع، وشاعرية المكان للدكتور جريدي المنصوري.
- كما سعدت به مقدمًا لمحاضرتي «منجز لم يُنصف: معجم المطبوعات للطاهر نموذجًا» التي ألقيتها عام 1438هـ/2016م في أسبوعية الدكتور عبدالمحسن القحطاني بجدة.
- ومذ عرفته وحتى اليوم وأنا من محبيه لأنه أحد الناشطين ثقافيًا، وخدم الأندية الأدبية بعامة، ونادي جدة بخاصة، وقدّم منجزًا أدبيًا يستحق التقدير، ويتمتع بأخلاق عالية وتعامل راق يلحظه كل من اقترب منه، فشكرًا لجمعية أدبي جدة على اتخاذ قرار تكريمه في ملتقى قراءة النص، وإصدار كتاب وثائقي عنه يرصد مشاعر محبيه بهذه المناسبة الرائعة.
** **
- أستاذ الأدب والنقد بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقًا.