علي حسين (السعلي)
لم يكن نجاح ملتقى «قراءة النص» في دورته الثانية والعشرين حدثًا عابرًا، بل نتيجة تراكمٍ واعٍ، وتجربةٍ ثقافيةٍ نضجت على مهل، حتى غدت واحدة من العلامات الفارقة في المشهد الأدبي السعودي. والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا ينجح هذا الملتقى كل عام؟
الإجابة لا تُختزل في سببٍ واحد، بل تتوزع على جملة من العوامل المتداخلة؛ أولها ديمومة الملتقى، إذ تمتد جذوره لأكثر من اثنين وعشرين عامًا، وهو عمرٌ كفيل بأن يمنحه رسوخًا مؤسسيًا، وذاكرة ثقافية متجددة. فكما أن لكل وردة جذورها، فإن لهذا الملتقى تربةً خصبةً تشبّع بها من عمق الثقافة المحلية واتساع الأفق العربي، فيما ظل «أدبي جدة» الساقي الدائم لهذه الشجرة، يغذيها من نبض المكان، ومن أفق البحر، ومن غيمات الجمال التي لا تنضب.
وقد زاد هذا الرسوخ وضوحًا في لحظة التحول المؤسسي للنادي الأدبي بجدة إلى جمعية غير ربحية؛ إذ لم يكن التحول انقطاعًا، بل امتدادًا أكثر مرونةً وحيوية، حافظ فيه «أدبي جدة» على شموخه، كجبلٍ لا تهزه التحولات، وثباته كبذرةٍ تعرف طريقها إلى الحياة؛ حياة الثقافة، وأمل الأدب، وأفق الفكر المتناغم مع مستهدفات رؤية 2030.
ومع إسدال الستار على هذه الدورة، برزت ملامح مرحلة جديدة، حملت في طياتها رؤى أكثر نضجًا، وتوصياتٍ تتجاوز الطموح إلى الفعل؛ إذ يمكن لها – إذا ما فُعّلت – أن تعيد تشكيل موقع الأدب السعودي، محليًا وعالميًا، وأن تدفع به نحو حضورٍ أكثر تأثيرًا واتساقًا مع التحولات الثقافية الكبرى.
وقد جاءت التوصيات التسع أقرب إلى خارطة طريق إستراتيجية، لا تكتفي بالتشخيص، بل تمضي نحو البناء؛ بدءًا من الدعوة إلى صياغة إستراتيجية وطنية شاملة للأدب السعودي، وتعزيز حضوره في الداخل والخارج، مرورًا بإطلاق مشروع وطني للترجمة يفتح للنص السعودي نوافذ على لغات العالم، ووصولًا إلى تمكين الكتّاب الشباب عبر الحاضنات والبرامج النوعية، وربط الأدب بالاقتصاد الإبداعي بوصفه موردًا ثقافيًا منتجًا. كما لم تغفل هذه التوصيات أهمية توثيق الأدب السعودي في قاعدة بيانات وطنية، واستثماره ضمن السياحة الثقافية، بما يعزز حضوره في الوعي العام.
وفي سياق الحراك المعرفي الذي شهده الملتقى، برزت ورقة الأستاذ الدكتور عادل خميس بوصفها لحظة نقدية لافتة، في قراءته لنص «الزجاج» للشاعر أحمد السيد عطيف؛ حيث قدّم مقاربة تحليلية عميقة لجماليات الشعر بوصفه كيانًا تفاعليًا، تتداخل فيه الوظيفة مع الأثر، والبنية مع الدلالة. وقد قسّم قراءته إلى أربعة مواقف: التحايا، والتبرير، والاعتراف، والمرافعة، كاشفًا من خلالها عن ديناميكيات النص، وما ينطوي عليه من توتر شعري وبناء داخلي محكم.
ولعل اللافت في هذه المقاربة تركيزه على ما يمكن تسميته بـ«اقتصاد المساحة الشعرية»، حيث تتجاور الكثافة مع الإيحاء، وتبرز سمة “التخلّص” بوصفها انتقالًا رشيقًا داخل النص، أو كما يمكن اختزالها في عبارة: «سطر وفاصلة»؛ حيث المعنى لا ينتهي، بل يتجدّد في كل انعطافة.
وفي لفتة وفاءٍ ذات دلالة، استعاد رئيس جمعية أدبي جدة في منشور له سيرة الراحل عبد الفتاح أبو مدين، بوصفه أحد الأصوات المؤسسة في المشهد الأدبي، حيث كتب:
«شهادة للتاريخ:
كان عبد الفتاح أبو مدين – إلى أن غادر الحياة – لسان المؤسسة الأدبية الصادق، وصديقها الناصح الوفي… لا يمر شهر إلا أزوره؛ ليمطرني بفرائد تجاربه، ويمدّني بنصائحه، ويرفدني بخبراته، ويحاصرني بأسئلته… وأنا أنهل كالظمآن على المورد العذب…».
هكذا، لا يبدو نجاح ملتقى «قراءة النص» مجرد حدث سنوي، بل هو فعل ثقافي متراكم، يؤكد أن ما يُبنى على مهلٍ، يبقى طويلًا؛ وأن الأدب، حين يجد من يرعاه بإخلاص، يظل قادرًا على تجديد ذاته، ومخاطبة زمنه، والبقاء في صدارة المشهد.