أ.د.عبدالله بن أحمد الفيفي
في ضوء بعض المساقات السالفة ساءلتُ (ذا القُروح) عن المعرفة بين الشفاهيَّة والكتابيَّة، وهل الكتابة جاءت ضرورة حضاريَّة؟
ـ نعم هي ضرورة، على المستوى الفردي والحضاري. منذ الإنجاز الفينيقيِّ في اصطناع الأبجديَّة قبل الميلاد بنحو عشرة قرون - وكانت في البداية للأغراض التجاريَّة- قفزتْ المعرفة قفزاتٍ هائلةً نحو النشر المعرفي زمانًا ومكانًا. وهو ما لم يكن في مقدور المحاولات الكتابيَّة السالفة، من مقطعيَّة في (العراق) أو تصويرية في (مِصْر)، أن تحقِّقه.(1)
ـ معنى هذا أنَّ ثمَّة ارتباطًا بين تاريخ الكتابة والتطوُّر الفكري للإنسان؟
ـ قطعًا... الكتابة أسهمت على نحوٍ جذريٍّ في تشكيل الفكر الإنساني والحضارة الإنسانيَّة. ولنا أن نتصوَّر لو بقيت التجربة الإنسانيَّة تجربة شفاهيَّة؟ إذن، لبقي الإنسان رعويًّا، ولظلَّ محدودًا في بيئته المحليَّة، مكانًا وزمانًا. الكتابة أتاحت للإنسان، لا أن يُطوِّر في آليَّات التفكير والتحليل الفكري والنظري فحسب، ولكن أيضًا أن يُسهِم في الحركة الفكريَّة والحضاريَّة تاريخيًّا وعالميَّا. حتى التاريخ جاء مرتبطًا بالكتابة. فمفهوم ما قبل التاريخ يعني ما قبل الكتابة؛ فقبل أن يكتب الإنسان كان تاريخه مجهولًا.
ـ ماذا عن التراث العربي بين الشفاهيَّة والكتابيَّة، كيف نصفه؟
ـ العَرَبيَّة لُغة صوتيَّة بطبيعتها. ثمَّ أصبح تاريخها رهين ارتباطها الأبدي بكتابٍ كريمٍ، للتقنية الصوتيَّة فيه آياتها المتَّجهة إلى عبقريَّة التقنية الصوتيَّة في اللِّسان العَرَبي. لتظلَّ العَرَبيَّة لُغةً موسيقيَّةً شفاهيَّة، وإنْ كُتِبت. فإذا خرجتْ - فَرَضًا - عن صوتيَّتها، امَّسختْ، ولم تعد تبدو من العَرَب والعَرَبيَّة في شيء. وكتاب «النَّظْم الشَّفوي في الشِّعر الجاهلي»، للألماني (جيمس مونرو)، يكشف الحقبة الشفاهيَّة من العَرَبيَّة. لكن هل انتهت الشفاهيَّة في العَرَبيَّة باستعمال الكتابة؟ الإجابة: كلَّا.
ـ ومن هنا، هل كان لتطوُّر الكتابة في العصر العباسي أثر في تراجع الشِّعر لصالح النثر، مثلًا؟
ـ بل العكس. لم يكن لتطوُّر الكتابة في العصر العباسي أثرٌ سلبيٌّ على الشِّعر، ويكفي أنْ نعلم أنَّ العصر العباسيَّ كان ذروة التطوُّر والازدهار في الشِّعر العَرَبي، غزارةً ونوعيَّة. حتى إنَّ الكُتَّاب العباسيِّين كان منهم الشُّعراء، مثل (ابن العميد)، و(الصاحب بن عبَّاد)، و(كشاجم)، و(أبي الفتح البستي)، و(إبراهيم الصابئ). وشكَّل شِعر الكُتَّاب في العصر العباسي ظاهرةً لافتة، إذ أصبح الشاعر يخرج من عباءته الشَّفويَّة التقليديَّة إلى الشِّعر الكِتابي في ذلك العصر. ذلك أنَّ الشفاهيَّة والشِّعريَّة مكونان عضويَّان في الثقافة العَرَبيَّة، حتى حينما تحوَّل المبدع العَرَبي من الشفاهيَّة إلى الكتابيَّة ظلَّ يكتب بذهنيَّة شفاهيَّة. ولذا قلتُ إنَّ الشفاهيَّة في العَرَبيَّة لم تنتهِ باستعمال الكتابة. وأنت ستَجِد ذلك في كُتب التراث، كـ«البيان والتبيين»، و«العقد الفريد»، و«الأغاني»، وغيرها؛ حيث يعبِّر المؤلِّف الكاتب بطريقة الراوية، معتمدًا على السَّنَد، وعلى عبارات أخبرَنا وحدَّثَنا. ويظهر ذلك كذلك في (المقامات)، التي كانت نصوصًا قصصيَّة كتابيَّة، إلَّا أنَّها ظلَّت تنسج على منوال الرواية الشفويَّة. هذا، إذن، ما يتعلَّق بعلاقة الشَّفوي بالكتابي. وكذلك الشِّعر بقي مكوِّنًا أساسًا في الثقافة العَرَبيَّة، حتى لدَى الكُتَّاب في نثرهم. ولذلك فالقول الصحيح: إنَّ الكتابة طوَّرت الشِّعر العَرَبيَّ منذ العصر العباسي. ونستطيع القول: إنِّ الشِّعر كذلك أسهم في تطوير الكتابة شِعريًّا، بمعنى الشِّعريَّة الأسلوبيَّة. إنَّ الشفاهيَّة والشِّعريَّة متلازمتان في نسغ اللِّسان العَرَبي وأدبه؛ ومن ثَمَّ بقيتا مؤثِّرتين في الأساليب إلى عصرنا الحاضر؛ فنستطيع القول: إنَّ الأدب العَرَبي أدبٌ شفاهيٌّ شِعريٌّ وإنْ كُتِب، أو كان نثرًا. وهذه من خصائص الأدب العربي، العريق في شفاهيَّته وشِعريَّته، إذا ما قورن بغيره من الآداب.
ـ لكنَّ صناعة الكِتاب في الحضارة الإسلاميَّة كانت تراوح بين العناية بالمحتوى والتزويق.
ـ الكِتاب في الحضارة الإسلاميَّة مرَّ بأطوار: من التدوين، إلى التأليف، إلى التزويق. المرحلة الأُولى كانت تُعنَى بالمحتوى وبحفظ المعلومة، وهذا كان في المؤلَّفات المبكِّرة، لدَى (أبي عمرو ابن العلاء)، و(الأصمعي)، و(الخليل بن أحمد)، ومعاصريهم من جيل القرن الأوَّل والثاني الهجريَّين. ثم جاء التأليف في القرن الثالث، حينما انتقل الكاتب من جمع المعلومات إلى تحليلها ونقدها ومقارنتها. وهذا حدثَ لدَى (ابن قتيبة)، و(الجاحظ)، على سبيل المثال، و(المُبَرِّد)، وحدثَ كذلك في كُتب النقد الأدبي، لدَى (ابن سلام الجُمَحي)، و(ابن المعتز)، و(الآمدي)، و(الجرجاني، عبدالعزيز)، وأضرابهم. أمَّا التزويق، فجاء بعد ذلك، وكان يتعلَّق بتيَّارٍ عامٍّ في الأدب وفي غير الأدب. وهو ذلك التيَّار الزخرفي البديعي، الذي أصبح يطغَى على الكلمة وعلى المعنى. جاء مواكبًا لحركة النَّمْنَمَة والزخرفة في موازييك الفسيفسائيَّات في الفنون الإسلاميَّة، في العمارة وتزيين المساجد وما إلى ذلك. وهذا أخذ يتصاعد منذ القرن الثالث إلى القرن السادس فالسابع وصولًا إلى بدايات العصر الحديث. ذلك لا يعني أنَّ المحتوى قد اختفى في الطَّور الثالث الذي أشرنا إليه، والذي يمكن أن نُسمِّيه طور التزويق والاهتمام اللَّفظي البديعي، غير أنَّ زخرف القول أصبح يُزاحِم المحتوى العِلمي، وقد يحرفه عن مساره. وظهر ذلك حتى في عنوانات الكُتب المطوَّلة المسجوعة، المحمَّلة بفنون المحسِّنات. هذا فيما يتعلَّق بالكلمة، ولكن عندما نأخذ الجانب الفنِّي الشكلي أيضًا، من حيث الخط، وربما بعض الرسوم في كتبٍ معيَّنة، سنلحظ أنَّ هذا جاء صدًى للفنون البَصَريَّة في الحضارة الإسلاميَّة العامَّة، التي تنامَى فيها الفنُّ الكتابي والخَطِّي والتشكيلي، إلى آخِر هذه الفنون البَصَريَّة التي أصبحت تُشاهَد في الكتابات على المساجد وفي القصور. وما الكتاب غير جزء من هذا التيَّار الحضاريِّ الفنِّيِّ العامِّ الذي شهدته الحضارة الإسلاميَّة.
ـ ماذا عن عملية إنتاج الكتاب العربي اليوم؟ وهل لتدنِّي تلك العمليَّة أسباب؟
ـ لكي نكون منصفين ليس هناك تدنٍّ في عمليَّة إنتاج الكِتاب العَرَبي اليوم، بما تعنيه هذه الكلمة من معنى، ربما التدنِّي في التسويق. ويُلحَظ هذا، مثلًا في تسويق إصدارات الأندية الأدبيَّة في المملكة. على أنَّ التدنِّي، بل شِبه التوقُّف، قد لحق في الآونة الأخيرة إنتاجَ الكتاب وتسويقه معًا!
ـ ما السبب؟
ـ التحوُّلات الأخيرة، في التنظيم الإداري والمالي للأندية. الذي تعلَّق حتَّى بالتنازل عن التسمية العريقة (النادي الأدبي) إلى تسمية، لا تدري من أين انبثقت، هي: (جمعية أدبي كذا). ولن تدري ما الحكمة من هذا التحول من تسمية (النادي...) إلى تسمية (جمعية...)؟!
ـ قديمًا كان من عادة موروثنا الشعبي أن يَنقُض الأبوان اسم الطفل إذا أُصيب بمرضٍ أو عَيْن، تشاؤمًا باسمه القديم، وظنًّا أنَّ فيه سببا نحسه.
ـ والآن صرنا نشهد هذا أيضًا في تسمية الجامعات، والكليَّات، والمؤسَّسات الثقافيَّة، ارتجالًا بلا مسوِّغات مقنعة أو غير مقنعة.
ـ لماذا في ثقافتنا العَرَبيَّة يحدث هذا التنكُّر للتاريخ والتراث؟
ـ عادة قديمة! كلما خطرت خاطرة، شطبنا التراث، لنعيد ابتكار العجلة؟! وهذا ديدنٌ عَرَبيٌّ في كلِّ مجال، بخلاف الحضارات التي تعتز بمنجزاتها القديمة، وإنْ رجع تاريخها إلى ما قبل الميلاد، ولا تنسفها بين عشيَّة وضحاها؛ ولأسبابٍ غير جديرة بالتقدير، إنْ وجدت. نحن نظن أنَّ التطوُّر هو بتغيير الأسماء، والأشكال، والمحتوى في تراجع مطَّرد. ولذلك لو راقبت الحراك الثقافي والحضاري العَرَبي في العصر الحديث، لوجدت أنه لا يستقرُّ على حال، بل لا يتقدَّم اليوم خطوة حتَّى يتقهقر غدًا عشرين خطوة؛ في قلق أبدًا وتردُّدٍ، يُبدئ ويُعيد، ويُقدِم ويُحجِم؛ حتَّى لربما وجدت الصُّورة الثقافيَّة في النصف الأوَّل من القرن العشرين، أفضل بكثير وأكثر طموحًا ورصانة من النصف الثاني، وكانت في القرن الماضي خيرًا منها في هذا القرن. وهكذا دواليك؛ لأنَّ من تسوس ذلك في النهاية أمزجةُ أفرادٍ غالبًا، لا تخطيط مؤسَّسات.
ـ حتَّى لا نخرج عن الموضوع! وهذه عادة جاحظيَّة «قُروحيَّة» قديمة!
ـ نعود إلى القول إنَّ طغيان الأسباب التجاريَّة، وضرورات التسويق قد تؤثِّر في قيمة المنتج للمكتبة العَرَبيَّة؛ بتصدُّر الكتاب الشَّعبي، أو الكتاب المتعلِّق بشؤون الحياة العامَّة، ككتب التسلية الشبابيَّة، على الكتاب العلمي أو الأدبي الجاد. وعلينا ألا ننسى أنه، منذ أن أُتيحت الطباعة في العصر الحديث، وفي العالم أجمع، وهي تُنتِج هذا الغذاء المتنوِّع لشرائح مختلفة، ولكلِّ منتَج سُوقه وقارئه.
أمَّا قبل وجود المطبعة، فكان الكتابُ الذي يُخَطُّ ويُكتَب الكتابَ العِلميَّ والأدبيَّ، الموجه للنخبة غالبًا. وإنْ وُجدت كتب ترفيهيَّة، فإنَّها في حُكم النادر. وهي من هذا النوع الذي ينظر إليه الأكاديميُّ الآن على أنَّه لا يستحقُّ التصدُّر، بَيْدَ أنَّ من حقِّ قرائه أن يحتفوا به، على كل حال.
ذلك أنَّ إنتاج الكتاب قديمًا كان صعبًا، وأصبح الآن ميسورًا. بل أصبح، مع التقنية الإلكترونيَّة، متاحًا لكل كاتب أن ينشر ما شاء، على نطاق أوسع ممَّا يمكن أن تتيحه الطباعة التقليديَّة.
ولذا، دعنا نقل إننا نشهد (تدنِّـيًا في إنتاج القارئ الجيِّد)، لكثرة الغثاء الذي يجعل أمام القارئ صعوبة في الاختيار، إلَّا إذا كان يتمتَّع بمهارات النقد وتمييز الغث من السَّمين. أمَّا إنتاج الكِتاب، من حيث هو، فهو يشهد غزارة إنتاجيَّة نوعيَّة، غير مسبوقة، على مستوى العالم أجمع.
[للمساءلات بقيَّة].
**__**__**__**__**__**
(1) وأبجديَّات العالم المعروفة اليوم مدينة لتلك الأبجديَّة الفينيقيَّة الأُولى بالفضل؛ حتَّى إنَّ رسم الحروف إنَّما جاء في معظمه بتحويرات للرسم الفينيقي للحروف.
والرسم الفينيقي للحروف كان في الأصل تصويرًا للأشياء، فالسين صورة للأسنان، والميم صورة لقَطرة الماء، والنون صورة للنُّون، أي الحُوت أو السمكة، وهلمَّ جرًّا. ولذا كان رسم حرف (النون)، مثلًا، في صدر الإسلام مختلفًا عن رسمه الآن، وكذا سائر الحروف.
فهي كتابة تصويريَّة في الأساس، لكنَّها أكثر تطوُّرًا ورمزيَّة من التصويريَّة المِصْريَّة. ثمَّ استُتِمَّ تحوير الرسم الحروفي إبَّان العصر الأُموي، بإضافة النقط، للتفريق بين الحروف المتشابهة.
(يُنظَر في هذا، مثلًا: جويدي، إغناطيوس، (د.ت)، محاضرات: أدبيَّات الجغرافيا والتاريخ واللُّغة عند العَرَب، باعتبار علاقتها بأوروبا وخصوصًا بإيطاليا، (مجلَّة الجامعة المِصْريَّة)، 72-73).
** **
- (العضو السابق بمجلس الشورى- الأستاذ بجامعة الملِك سعود)