خالد محمد الدوس
في ظل الشهرة العلمية الهائلة التي حظي بها أخوه الأكبر عالم الاجتماع ورائده في ألمانيا ماكس فيبر(1864-1920)، بقي شقيقه الأصغر ألفريد فيبر (1868-1958) شخصية شبه غائبة عن دائرة الضوء في تاريخ علم الاجتماع. غير أن الحاضن العائلي الاجتماعي الخصب الذي أحاط (بفيبر الأصغر) شكل التربة الخصبة لنمو عبقريته السوسيولوجية، فعائلة فيبر من العائلات الألمانية الأكثر حظوة في مجال الفكر والعلم والثقافة والأدب، فقد عرفت هذه العائلة بعدد كبير من أبنائها المثقفين والعلماء والأطباء ومحامين، وقد تركت هذه الأجواء الثقافية الفريدة والمفعمة بالعطاء الثقافي أثراً كبيراً في توليد الطاقة الفكرية الإبداعية للشقيقين ماكس فيبر وألفريد فيبر.
لكن الحقيقة أن هذا العالم الألماني كان صاحب مشروع فكري فريد ومتكامل، وضع عبره اللبنات الأولى لتأسيس «علم الاجتماع الثقافي» كحقل مستقل بمنهجه وأبحاثه ومقوماته العلمية.. وهو فرع معرفي تراكمي يعني بدراسة الثقافة كخاصية إنسانية خالصة بكل ما تحمله من سمات وخصائص ومكونات، وبكل ما ترتبط بها من مفاهيم كالحضارة ومواريث المجتمعات والمناهج الثقافية المختلفة كالتغير والتطور، والغزو الثقافي والصراع.. إلخ.
ولد العالم الاجتماعي ألفريد فيبر عام 1868، في مدينة إرفورت الألمانية وقد تلقى تعليمه الجامعي في كل من (جامعة توبنغن) تخصص في مرحلة البكالوريوس في القانون والاقتصاد الوطني، ثم تلا ذلك مواصلة تعليمه العالي في جامعة برلين ونال شهادة الدكتوراه عام 1897 في التخصص الدقيق في الاقتصاد الوطني وكانت اطروحته للدكتوراه تركز على موضوع «الصناعة المنزلية» وقد اشرف عليه العالم الاقتصادي البارز «غوستاف شمولر» ،طبعا في أوائل القرن العشرين لم تكن التخصصات الاكاديمية منغلقة على نفسها كما هو الحال اليوم فالاقتصاد الوطني الذي درسه العالم ألفريد فيبر كان علما شاملا يضم في طياته:
النظرية الاقتصادية والتاريخ الاقتصادي، والسياسة الاجتماعية، وفلسفة التاريخ، وعلم الاجتماع الناشئ ولم يكن هناك فصل حاد بين الاقتصاد والمجتمع والثقافة، بل كانوا يرونها وجوها لحياة إنسانية واحدة متكاملة. وحين تلقى تعليمه العالي على يد العالم غوستاف شمولر زعيم «المدرسة التاريخية» في الاقتصاد هذه المدرسة رفضت فكرة وجود قوانين اقتصادية مجردة وعالمية ورأت أن الظواهر الاقتصادية لا يمكن فهمها بمعزل عن: السياق التاريخي، والأنساق الثقافية، والقيم والأخلاق السائدة، والبنُى الاجتماعية، وهذه النظرة الشاملة لاشك كانت جسرا طبيعيا نحو علم الاجتماع الثقافي.
شغل منصب أستاذ في جامعة هايدلبرغ لسنوات طويلة، حيث أسس فيها مدرسة فكرية مهمة. خصوصا عندما انتقل للعمل بهذه الجامعة العريقة وجد نفسه في وسط فكري نابض يظم شقيقه الأكبر العالم ماكس فيبر والفيلسوف هاينريش ريكرت، والطبيب النفسي والفيلسوف كارل ياسبرز وهذا التفاعل اليومي مع كبار العقول وسع أفقه ودفعه لتجاوز حدود تخصصه الأصلي الى تخصص علم الاجتماع الثقافي.. بعد أن ادرك أن فهم الظاهرة الإنسانية يتطلب كسر الحواجز بين التخصصات.
خاصة وأنه كعالم بارع.. عاش في فترة شهدت تحولات صناعية كبرى وحربين عالميتين، مما دفعه للتأمل في مصير الحضارة الغربية ودور الثقافة في مواجهة التحديث والتقدم التقني.
انطلق ألفريد فيبر من إشكالية كبرى شغلت المفكرين الألمان في عصره: كيف يمكن فهم التحولات العميقة التي يشهدها المجتمع الحديث؟ في زمن التصنيع المتسارع وتوسع الدولة البيروقراطية، شعر مفكرون كثر بالحاجة لإعادة النظر في موقع الثقافة ضمن هذه المتغيرات.
وصل فيبر إلى قناعة مفادها أن فهم المجتمع يتطلب التمييز بين ثلاث عمليات متداخلة لكنها مستقلة: العملية الاجتماعية (الهياكل الأساسية كالاقتصاد والدولة)، وعملية الحضارة (التراكم المعرفي والتقني)، وأخيراً الحركة الثقافية التي تمثل عالم التعبير عن التجربة الإنسانية عبر الفنون والدين والفلسفة.
هذا التمييز الثلاثي كان ثورياً بمعايير زمانه. فبينما تركزت أغلب النظريات الاجتماعية على البنى المادية والصراع الطبقي، أصر فيبر على أن للثقافة استقلاليتها النسبية. فالتحولات في الحضارة (مثل اختراع تقنية جديدة) أو في المجتمع (مثل ظهور طبقة جديدة) تخلق أسئلة وجودية لا تجيب عليها سوى الثقافة، التي تنتج رموزاً ومعاني تساعد الإنسان على استيعاب هذه التغيرات.
تطورت رؤية «فيبر» في سياق تاريخي خاص. ففي بداية مسيرته الأكاديمية، كان النموذج السائد يرى في الدولة تجسيداً للروح العضوية للأمة. لكن فيبر، مثل كثيرين من جيله، تمرد على هذه النظرة. بدلاً من وضع الدولة في مركز التحليل، نقلها إلى جانب «المجتمع المدني» ضمن ما سماه «الآليات الاجتماعية»، مفرغاً إياها من وظيفتها كحامية للقيم والمعاني.
هذا التحول كان له معنى عميق: فمع تراجع المؤسسات الدينية التقليدية التي كانت تشكل قلب الفعل الثقافي، برز سؤال مصيري حول ما الذي سيملأ هذا الفراغ. كان جواب فيبر أن علم الاجتماع الثقافي هو الأداة المناسبة لفهم هذه الديناميكية الجديدة.
إذا كان رائد علم الاجتماع الألماني» ماكس فيبر» قد بحث في العلاقة بين البروتستانتية والرأسمالية، فإن ألفريد كرس حياته لوضع إطار شامل يمكن من خلاله فهم كيف تخلق المجتمعات معانيها في مواجهة التغيرات الحتمية. لقد أراد أن يثبت أن الثقافة ليست مجرد انعكاس للاقتصاد أو أداة في يد الطبقات الحاكمة، بل هي مجال حيوي ينتج رؤى لا يمكن اختزالها في عوامل أخرى.
اليوم، مع تصاعد النقاش حول العولمة والهوية والصراع بين «الحضارة» و»الثقافات المحلية»، تبدو أفكار» ألفريد فيبر» أكثر راهنية من أي وقت مضى. فالتمييز الذي أقامه قبل قرن من الزمان بين التقدم التقني (الحضارة) والتعبير عن الذات الجماعية (الثقافة) يقدم لنا أدوات تحليلية دقيقة لفهم توترات عالمنا المعاصر.
يبقى ألفريد فيبر شاهدا على أن الأفكار العظيمة قد تولد في ظل أفكار أعظم منها، لكنها مع ذلك تشق طريقها لتضيء جوانب من الوضع البشري لا يمكن لأحد سواها أن يفسرها.
توفي رائد علم الاجتماع الثقافي «ألفريد فيبر» عام 1958 عن عمر يناهز 89 عاماً في مدينة هايدلبرغ الألمانية وقد ترك خلفه أرثاً فكرياً ومعرفياً عميقاً في عدة مجالات اجتماعية واقتصادية وثقافية، كان بحق شخصية علمية مستقلة بذاتها جمع بين الاقتصاد العلمي، والفلسفة العميقة، والفكر الاجتماعي والثقافي الرصين.. ولا تزال إسهاماته البحثية ومنجزاته العلمية الغنية (حيةً) تثري علم الاجتماع وميادينه في واقعنا المعاصر.