أ.د.أبو المعاطي الرمادي
الميتا سرد تقنية سردية من تقنيات سرد ما بعد الحداثة المنقلب على عمود السرد التقليدي، الرافض لوجهة النظر الأحادية، والتتابع المنطقي للأحداث، والشخصيات النمطية. وهي تقنية تسمح بانتقال المؤلف الحقيقي من على صفحة الغلاف إلى داخل المتخيل السردي، يتحدث مع الشخصيات الورقية ويناقشها ويعلق على تصرفاتها، ويحل محل السارد والبطل، ما يدفع المتلقي -كما يقول محمد القاضي- إلى «المقارنة بين المؤلف الواقعي في التاريخ والشخصية التخيلية في النص». ومن أشكاله (ميتا سرد المتلقي) الذي يخاطب فيه السارد المتلقي ويوجه إليه حديثه بطريقة مباشرة (عزيزي القارئ -ما رأيك- كما تعلم)، أو بطريقة غير مباشر (الاعتماد على ضمير المخاطب أنت)؛ بغية كسر الإيهام بالواقع، وإشراك القارئ في العملية الإبداعية ليصبح -كما يقول جميل حمداوي-: «طرفًا في عملية التصوير والكتابة والتخييل».
يتجلى ميتا سرد المتلقي في قصة (مخضرم) لعبد الواحد الأنصاري، ضمن منشورات وزارة الثقافة، عام 2022م، المصورة حيرة الإنسان المعاصر العائش -رغم أنفه- في أكثر من عالم في الآن ذاته. عالم واقعي «الذي نعمره أنا وأنت وسبعة مليارات معنا»، وعالم حدوده ضيقة يهرب إليه «فيه من الحظ ما يكفي لأتدبر أموري اليومية»، وعالم منشود «مضيء لا ليل فيه، لكنه بلا شمس، وكأنه يضاء ذاتيًا من داخل شعب قبته السماوية، محاط بالثلوج، يشقه نهر كبير في وسطه».
الشخصية من السطر الأول تحدث المتلقي «لا بد إزالة للالتباس، من إيضاح أنني شخص مخضرم، ليس بمعنى أنني عشت سنين طويلة حتى شهدت فناء الأجيال ومجيئها، بل بمعنى أنني عشت حتى الآن ثلاثة عوالم، من شأن كل واحد منها أن يتشكل فيه جيل تاريخي مختلف تمامًا، ولا شك أن فطنتك تدرك أن ذلك لا يعني بالضرورة أنني عابر للعصور، ولا أنني امتطي براقًا أو آلة للزمن».
ثم يحذر المتلقي من بذل الجهد لمعرفة المقصود بالمخضرم أو بعابر للعصور «أحذرك من الآن، فبمجرد أن تجعل أكبر همك أن تفهم ما أعنيه بأني مخضرم أو بأني عابر للعصور فسيفسد ذلك عليك قراءة هذه القصة، وفهمها في لمح البصر، ولن تخرج منها بطائل، لذلك لا تجعله على رأس أولوياتك».
ويَكثر في القصة عبارات (وأنت تدرك دون شك/ وأترك ما تبقى لفطنتك/ أنا وأنت/ إن كنت لا تزال مثلي من الناجين من الآفات حتى الآن/ كما اتفقنا) وكلها مفردات سردية تجذب القارئ إلى داخل الحكاية ليكون عنصرًا من عناصر صناعتها، ومؤثرًا فيها.
ويختم قصته بتحميل المتلقي عبء الختام « ماذا أحكي لك؟ كان يفترض بك منذ البداية أن تدرك أن القصة دائرية. وأنك تستطيع أن تكملها بأن تقول: ثم ذهبت واسترحت في العالم الأوسط، وعدت إلى العالم الأول لتتصفح جوالك وتقلب بصرك وتمط شفتيك وأنت تتابع آخر المجريات التي كان بوسعها الانتظار، وقد كان بوسعك أن تؤطر نفسك وترغمها على قليل من التحمل حتى تفلح في صيد سمكة واحدة على الأقل في حياتك العابرة».
وفق كثيرًا الأنصاري في استثمار طاقات ميتا سرد المتلقي؛ فالقصة ذات الأبعاد الفلسفية المجسدة لحيرة الإنسان بين العوالم الواقعية، والمنشودة المتخيلة، والمحددة لنا عقديًا، لم يكن مغزاها ليصل إلى المتلقي بأية طريقة سردية أخرى؛ فحضور القارئ القوي داخل النص جعله مخضرمًا آخر يعيش في العوالم الثلاثة دون أن يدري، وعدم اعتماد التسلسل الطبيعي في عرض العوالم (العالم الأوسط، ثم العالم الثالث، ثم العالم الأول)، أبرز اضطراب المخضرم وأبان ضجره من عالمه، ذلك الضجر المنعكس على المتلقي الذي وجد نفسه من بداية القصة جزءًا من الحدث وليس مجرد مراقب لحركته، إضافة إلى رفع درجة الدهشة داخل نفس المتلقي الذي لم يصدم بنهاية الحدث، بل باكتشاف دوره في صناعة النهاية.
ويبرز ميتا سرد المتلقي كذلك في قصة (رواية لم تكتمل) لمحمد المزيني، ضمن مجموعته (سفر الخطايا)، الصادرة عن اتحاد كتاب الإمارات 2011م؛ فالسارد يخاطب المتلقي من استهلالها «قررت أن أكتب رواية»، ويصر على حضور المتلقين داخل المحكي، وأخذ رأيهم في مسألة عرض حيوات شخصيات حقيقية داخل المتخيل القصصي وتحويلهم إلى شخصيات ورقية دون موافقتهم. «هل ترون أن من حقهم عليّ معرفة الحقيقة، أو يكفي تغيير الأسماء، سأجرب، هذه الليلة سأبدأ»، ثم يطلعهم على سير عملية الكتابة» بدأت أكتب. كتبت تقريبًا مئة ورقة أو أكثر»، ومعاناته من صناعة الشخصيات داخل إطار المتخيل «أحسست بالعجز أمام هاتين الشخصيتين الفذتين وكأنهما صيغتا من معدنين مختلفين»، وحتى لا يتهمونه بالتدليس يخاطبهم «فأنتم لم تعرفوا سوى التفاصيل المحكومة بالقدر»، ولأنه فشل في الإمساك بالمخابئ السرية للحوادث والحكايات»، طلب إليهم أن يخلصوه من قبح الاتهام بالخديعة. «اسمحوا لي لن أكون وسيلة للخديعة، علامة (x) كبيرة رسمتها بغلظة على كل الأوراق، وانتهيت أعوض ما فاتني من النوم بسلام».
ميتا سرد التلقي في القصة لا يحطم فقط الجدار الرابع الفاصل بين القارئ والحكاية، بل يطرح أسئلة عن معنى الحكاية، وطبيعة الحقيقة، وعلاقة الكاتب بالقارئ، ويحوّل القصة القصيرة من مجرد نص حكائي إلى نص واصف ينظر منه المتلقي على العالم، ويناقش فعلي الكتابة والتلقي، ويشغل قارئها بالفكرة غير التقليدية (صناعة الرواية) لا بالحكاية الشيقة ذات البداية والوسط والنهاية، (حكاية صباح وفوزية وعلي وعمته بدرية). وهو انشغال يجبره على طرح أسئلة من قبيل (لماذا يشاركنا الكاتب هم عملية الكتابة؟ لماذا يجب أن يكون لنا دور في معرفة تفاصيل الحكاية؟ ألسنا مجرد قراء يستمتعون بالقصص؟). وهي أسئلة لا يجيب عنها النص، ولا يشير إلى مداخل للإجابة عنها، تاركًا الأمر كله للقارئ المضطر إلى البحث عن إجابات حتى يستطيع الولوج إلى عالم الحكاية من المولج الصحيح. وهي إجابات تصنع سردًا ذهنيًا يجعل القارئ عنصرًا من عناصر الحكاية، ويجعله وسط الأحداث والشخصيات، على غير ما هو معهود في عملية التلقي، وكأن القصة فيلم ثلاثي الأبعاد.
ويحضر ميتا سرد التلقي بصورة أبسط في قصة (الشيطان في مهمة رسمية) لفيصل الشهري، ضمن منشورات وزارة الثقافة 2021م. فتتحدث الساردة المشاركة مع المتلقين (ما رأيكم أن أحدثكم عن مزاجي قليلًا / جميل انتقلتَ للسطر التالي، هذه موافقة ورغبة جيدة للإنصات/ حسنًا سأجعله يتحدث بدلًا من أن أتقوله ما ليس فيه/ كما يعلم كثير منكم/ هل أصبتكم بالحيرة بعض الشيء/ تذوقوا قليلًا من مراراتي)، لكنه - رغم بساطته - يمنح القصة أبعادًا أكثر عمقًا من الأبعاد الكامنة في خيط حكيها البسيط، ويخرجها من حيز القصة التي أشعل الشيطان فيها نيران الخلاف بين الأب والجارة التي ادعت أنه تحرش بها، فتدخلت الأم للدفاع عن زوجها، وتدخل زوج الجارة للدفاع عن زوجه، واشتعل أوار الخلاف حتى وصل إلى العمدة الذي دعا المتشاحنين إلى المباهلة. «يطلب منك العمدة الحضور إلى المباهلة أنت وجارك غدًا بعد صلاة الجمعة في ساحة الحي»، إلى القصة التي يطل منها المتلقي على ذاته، بوضع نفسه داخل الموقف، مكان الأب، والأم، والجارة، والزوج، والبنت، ويصبح سؤال القصة الأساس كيف نقرأ؟ وليس ماذا حدث؟
والبساطة نفسها نراها في قصتي (تسعة أسباب لفشل مشروع أم فهد)، و(الأطرم) لأمل الفاران، ضمن مجموعتها (الفتاة لم تعد تكبر في ألبوم الصور)، الصادرة عن دار أثر، 2019م، فتخاطب الساردة المشاركة المتلقين خطابًا مباشرًا «لن أبرر لكم هذا التوقيت العجيب فأنا الكاتبة ويحق لي صيغ مفارقة واحدة على الأقل في النص/ سأغامر أكثر وأقول/ سأشدد على أن المكينة آخر طعنات معركة التعليم وأم فهد»، «أدرك كم هو صعب أن تصدقوني، لكني سأحاول، أنا الموطن ع. ف. م».
وكذلك في قصة (زوجتي والبقرة وأمريكا) لهاني حجي، ضمن مجموعته (سيد واوي)، الصادرة عن دار بيسان،2013م؛ فالسارد يخاطب المتلقين من بداية القصة «أعرفكم بنفسي: أنا الدكتور مقحاش بن منحاش/ لا أطيل عليكم استطعت أن أصل إلى الجامعة بعد جهد كبير/ قد تعتقدون أني طالب مهمل/ تزوجت امرأة هي سبب بلائي وسبب حديثي إليكم الآن/ أعرف أنني أصبحت أهذي عليكم كثيرًا/ قد تسألون/ ولا أخفيكم الحقيقة/ فلا تنسوا أني مختص في أنثروبولوجيا أغبياء السياسة).
لكنها بساطة تكشف أن السرد عملية تفاعلية طرفاها السارد والمتلقي، وأن الكتابة القصصية لم تعد موجهة للمتلقي السلبي (الذي يقرأ للتسلية)، وأن الأسئلة التي يطرحها النص لم تعد محصورة في دائرة ما الذي يقوله النص، بل خرجت إلى كيف قال النص، ولم قال؟
إن مخاطبة القارئ تضعه في قلب التجربة لا على هامشها. وهو تحول في مفهوم الكتابة القصصية، حطم الحواجز الفاصلة بين المتلقي والعالم القصصي المتحكم فيه السارد، وغيّر مفهوم السارد الذي ظل لعقود شخصية وهمية وسيطة بين القاص والمتلقي، يعتمد عليه القاص في تمرير رؤاه وأفكاره، وجعل السارد هو الكاتب، والكاتب هو السارد، ورسخ قيمة وعي النص بذاته، وفتح الباب أمام ظهور صوت خفي داخل المتخيل الحكائي، هو صوت الجمهور الذي يوجه السارد له كلامه، وهو صوت يصنع سردًا غير مكتوب يمكن من خلاله النظر للنص القصصي من زوايا أخرى غير الظاهرة فوق سطح النص؛ فقول السارد - على سبيل المثال - في قصة (زوجتي والبقرة وأمريكا): «أعرف أنني أصبحت أهذي عليكم كثيرًا»، يستدعي - لا محالة- إجابة من المتلقين، قد تكون (لا، حديثك ممتع، أو نعم، مللنا من هذا الهذيان)، وقوله: « قد تسألون» يستدعي كذلك إجابة، قد تكون (لا، لن نسأل، أو نعم، سنطرح عليك بعض الأسئلة). وهي إجابات وهمية تشكل مساحة سردية بيضاء أرى لها وظيفة مهمة عند الحديث عن القصة العربية؛ فهي تقرب النص القصصي من الخطاب الشفهي المباشر الذي عرفته القصة العربية القديمة. وهو قُرب تتخطى وظيفته تعدد زوايا التأويل ومستويات القراءة، إلى نفي القطيعة المعرفية بين الحاضر والماضي.
** **
- جامعة الملك سعود