د. شاهر النهاري
الأغلبية العظمى منا يرنون إلى الحقيقة بشغف، والكثير يدعون امتلاكها وهما، وكثير لا تهمهم حقيقتها، بل إن الكثير أيضا يتجنبون مجرد التفكير فيها! بأعذار أنها متعبة للعقل، ومستغربة عند الجموع، ومشتتة للفكر!
وقبل الخوض في مجاهل دروب الحقيقة المتشعبة، لا بد لنا من الوقوف إجلالاً أمام عقولٍ إنسانية حملت عبء التفكير منذ أن كان التفكير مغامرات تبلغ الاتهام بالجنون والسحر والشعوذة، ضمن عسر نبوغ توغل في أعماق الذات الإنسانية، وفي تفاصيل العالم المحيط بهم حين كان الجهل هو السائد، واليقين الزائف هو المريح لهم من عناء التفكير.
هؤلاء الفلاسفة الأوائل ومن لحقهم لم يكونوا مجرد باحثين عن المعرفة، بل كانوا صُنّاعاً للوعي، ومهندسي الفكر، ومنقذي العقل من ركونه للسائد والترديد.
وتلك عقول تحدت المألوف، وسخرت العقل، ووطنت الشك، وفتحت أبواباً مغلقة، لم يكن للإنسان البدائي أن يطرقها لولا جرأتهم.
لقد كانوا، بحق، نعمةً على البشرية؛ إذ أسهموا في ترتيب تدرجات الفكر وتنوعاته، وصقل المنطق، وتعميق القدرة على التحليل الذاتي والتفكر الخارجي، حتى أصبح الإنسان أكثر وعياً بذاته، وأشد إدراكاً لعلاقته بالكون.
وصدقا فكل محاولة للفهم والتحليل والاستزادة إنما شكلت امتدادا حتى يومنا لذلك الجهد التراكمي لمفعولهم، والذي لا يمكن إنكار فضله أو تجاوز أثره، حتى ولو أخطأوا في بعض تفرعاته.
ومن هنا يبدأ سؤال الحقيقة، لا بوصفه سؤالاً نظرياً مجرداً، ولا رواية تاريخية، بل كحاجة إنسانية عميقة لفهم الذات قبل فهم العالم.
ففي الفلسفة اليونانية القديمة، حاول (بارمنيدس) أن يضع أول لبنة مبشرة لهذا المفهوم، حين أعلن أن الحقيقة واحدة وثابتة، وأن التغير الذي نراه ليس إلا وهماً يخدع الحواس!
وبهذا الطرح الأولي، انتقل الإنسان من الاعتماد على ما يراه، إلى الثقة بما يفكر فيه، وكأن الحقيقة تسكن في أمواج العقل النشط، لا في سكون العالم.
ثم جاء أفلاطون ليمنح هذا التصور عمقاً ميتافيزيقياً، ففصل بين عالمين: عالم المثل حيث الحقيقة الكاملة، وعالم الحس حيث الظلال والانعكاسات، والامتداد والتنافر.
هنا أصبح الإنسان كائناً مزدوجاً، يعيش بجسده في عالم متغير، ويسعى بعقله نحو حقيقة يتطلع لأن تكون ثابتة، تريح فضوله.
غير أن هذا الانفصال لم يدم طويلاً، إذ حاول أرسطو إعادة التوازن، فربط الحقيقة بمطابقة الفكر للواقع، وجعل من التجربة الحسية شريكاً للعقل، لا خصماً له!
وهكذا بدأت أول مصالحة بين الإنسان وعالمه، حيث لم تعد الحقيقة مفهوما ثابتا مؤكدا، ولا هروباً من الواقع، بل تغلغلا وفهماً أدق له.
ثم أتت العصور الوسطى، وتحوّل مسار الحقيقة من العقل المتفكر، والمتطلع نحو السماء، فأصبحت مرتبطة بالمطلق الإلهي.
وهنا سعى بعض الفلاسفة مثل (توما الأكويني) إلى التوفيق بين العقل والإيمان، معتبرين أن الحقيقة واحدة، لكنها قابلة للإدراك عبر طريقين متكاملين. وهنا خفَت صوت الذات قليلاً، ليعلو صوت المرجعية النظرية والغيبية، غير أن جذوة العقل لم تنطفئ، بل بقيت تعمل في إطار الإيمان بالغيبيات.
ومع بزوغ العصر الحديث، عاد الإنسان إلى تفكيك مركز المشهد المعقد، فعند رينيه ديكارت، لم تعد الحقيقة تُمنح من الغيب، بل تُبنى من الداخل وارتقي.
وطرق واستحسن مجال الشك ليصبح أداة فاعلة في التفكيك والتحليل، وأصبح اليقين ذاتياً، والعقل نقطة البداية والشعلة ملهبة لكل معرفة.
لقد أعاد ديكارت ترتيب العلاقة بين الإنسان ونفسه، فجعل من التفكير فعلاً تأسيسياً لبلوغ الحقيقة بالقياس المنطقي.
لكن هذا البناء لم يكن إلا طوبة في جدار عظيم يتم اكماله بأيدي الفلاسفة، فجاء إيمانويل كانط ليكتشف ويصرح بأن العقل نفسه ليس مرآة صافية تعكس الحقيقة، بل إنه إطار يتشكّل في جوفه ما نراه.
فالحقيقة في وجهة نظره ليست انعكاساً خالصاً للواقع، بل نتيجة تفاعل بين ما هو خارجي وما هو بنيوي في وعينا.
وهنا بلغ التفكير درجة من النضج جعلت الإنسان يدرك أن معرفته محدودة بحدود مرونة عقله، القابل للتمدد، والانكماش.
ثم جاءت الفلسفات اللاحقة لتدفع هذا الشك إلى أقصاه.
فعند فريدريك نيتشه، لم تعد الحقيقة سوى بناء إنساني، يعبر عن إرادة وقوة ومنظور يحاول بكل قواه الوصول لمنابع الحقيقة!
وهنا لم يعد السؤال: ما الحقيقة؟ بل: من يصوغها؟ ولمصلحة من؟
وتعمّق هذا الاتجاه مع ميشيل فوكو، الذي ربط الحقيقة بأنظمة السلطة والمعرفة، فبيّن أن ما نعدّه حقيقة قد يكون نتيجة سياقات تاريخية وقوى مهيمنة، ووهم جماعي.
ولعل هذا المسار المتدرج لا يقودنا إلى تعريف نهائي للحقيقة، بقدر ما يكشف لنا الطريق الأقرب لبلوغها: بأن نعي حدود عقولنا، وأن نستخدم الشك لا لهدم المعنى، بل لتنقيته، وأن نوازن بين الداخل والخارج، بين الفكر والتجربة، بين الذات والعالم.
إن علاقة الإنسان ب ذاته وعقله ليست علاقة مستقرة، بل علاقة ديناميكية دائمة.
فالعقل لا يهدأ، والوعي لا يكتمل، والتدرج بين الخوف واليقين مفيد، والحقيقة لا يمكن أن تُمتلك دفعة واحدة.
ومع كل ذلك، فإن هذا القلق البشري المعرفي لم يكن عبئاً، بل إنه من بلور جوهر إنسانيتنا.
لأن الإنسان، في نهاية المطاف، ليس كائناً يمتلك الحقيقة، بل كائن يسير نحوها خطوة خطوة.
ولعل أقرب الطرق إلى الحقيقة يكون بالتوسع المعرفي والمنطقي، والحسابي والقياس، وليس ادعاء مبكر بامتلاكها، بل الاستمرار في طلبها طوال عمر البشر، بوعيٍ متجدد، وعقلٍ ناقد، وحرية فكرية، ونفسٍ قادرة على مراجعة ذاتها والتحسين.
فالحقيقة ليست نقطة وصول تنتهي عندها الطرق، بل بداية مسارٌ طويل عسير يتكشف فيه فهم كنه الإنسان لنفسه، بقدر ما يتكشف له من زوايا وأجزاء العالم بكل معطياته ومؤثراته.