عبدالله العولقي
في عالم اليوم، تتجدّد معظم الصراعات الدولية عبر منهجين أساسيين: الآلة العسكرية الخشنة والآلة الإعلامية الناعمة، ففيهما تتركز مكامن القوة التي تعطي الدول مراكز الصدارة أو التأخر. والأمر ذاته يُقال عن الزمن القديم؛ فقد كانت القبيلة تفتّش بين أبنائها عن المواهب العسكرية (الفارس الشجاع)، وعن المواهب الإعلامية (الشاعر المبدع)، وتزداد أهمية هذه الموهبة المزدوجة حينما تقترنان معًا في الشخصية.
حديثنا اليوم عن أنموذج شخصية الفارس الشاعر في أدبنا العربي، تلك الشخصية المزدوجة التي تجمع تناقضًا إنسانيًا رهيبًا، وأعني إحساس الشاعر المرهف مع دمويّة الفارس المحارب. هذه المعادلة الصعبة التي تصل بصاحبها إلى صفتين متلازمتين: الشجاعة المتهوّرة مع غياب العقل عند اتخاذ القرار.
فعلى سبيل المثال، عندما قرّر الفارس الشاعر الجاهلي امرؤ القيس أن يخوض معركة الانتقام ضد بني أسد الذين قتلوا أباه، استطاع أن يؤسس جيشًا عظيمًا، ويجمع إلى جانبه قبائل بني بكر وتغلب ومذحج وحِمْيَر لمحاربة بني أسد. وبالفعل نجح امرؤ القيس في مهمته، وانتصر جيشه انتصارًا مدويًا، ونال من سيدهم عمرو بن الأشقر، وقال مزهوًا بنصره:
بِأَيِّ علاقةٍ ترغَبونَ
أعن دمِ عمروٍ على مرثدِ
بعد هذا الانتصار الساحق لامرئ القيس، تدخلت القبائل العربية لإنهاء الحرب وعرض مشروع الصلح، غير أن الفارس الشاعر رفضه جملةً وتفصيلًا، إذ غاب عقله في اتخاذ القرار الصائب، فأراد أن تستمر المعركة حتى المستحيل، أي حتى يُقتل جميع بني أسد. وهنا تخاذلت قبائل جيشه عن نصرته، وتفرّقت عنه حتى أصبح وحيدًا كسيرًا. ورغم ذلك كله استمر في غيّه، ليستنجد بكسرى ملك فارس الذي رفض مشروعه، فذهب إلى ملك الروم، فأهداه حلّة مسمومة منسوجة من الذهب، فأسرع إليه السم حتى سقط جلده ومات.
هذه الحكاية تذكّرنا أيضًا بالفارس الشاعر المتنبي عندما عاد من بلاد فارس وهو يحمل ثروة هائلة من أمير البويهيين، فوجّه له صديقه المخلص أبو نصر الجبلي نصيحته ألا يذهب إلى الكوفة لأن جماعة فاتك الأسدي تترصّد له في الطريق. فهنا غاب عقل المتنبي عن اتخاذ القرار الصائب وأصر على المخاطرة، وعندما عرض عليه الجبلي جماعة من الفرسان المسلحين لحمايته أثناء رحلته، رفض هذا العرض أيضًا، وقال: لا أريد أن يتحدث الناس أني خرجت في خفارة أحد. ثم ذهب بطيشه إلى حتفه، حيث قاتل جماعة فاتك الأسدي حتى قُتل.
ولا ننسى نهاية صاحب السيف والقلم أبي فراس الحمداني، الذي عاد من الأسر ليقاتل ابن أخته أبو المعالي بن سيف الدولة بدون أي أسباب معقولة تستدعي تلك المعركة. لقد قادته شجاعته المتهورة إلى الموت وهو في ريعان الشباب.
في الحقيقة، فإن التراث العربي يمتلئ بالكثير من هذه القصص والحكايا المماثلة حول شخصية الفارس الشاعر، وتحديدًا عندما تتهور الشجاعة ويغيب العقل عن القرار الصائب. ولكن حديثنا اليوم عن رائد هذه الثنائية المتلازمة في تاريخ الأدب العربي، ولا شك أنه المهلهل بن ربيعة أو الزير سالم كما عُرف في الأدبيات الشعبية.
يرتبط اسم الشاعر بأشهر معركة حربية عنيفة وقعت في الزمن الجاهلي، وهي حرب البسوس التي اندلعت أحداثها بين أبناء العمومة، قبيلتي بكر وتغلب، حيث تبدأ سردية هذه المأساة التاريخية عندما قتل جساس من بني بكر وفارسهم كليب بن أبي ربيعة. وعندما علم المهلهل بمقتل أخيه، طلب المستحيل، وأقسم ليأخذن بثأر كليب من كل رجال بني بكر، شبابهم وكبارهم. وهنا حصلت الفاجعة الكبرى في ظل غياب العقل وتعظيم العاطفة. لقد أشعل المهلهل حربًا دامية طال أمدها لمدة أربعة عقود. لقد كان المهلهل مسرفًا في الدماء لدرجةٍ بشعة:
وَلستُ بخالعٍ درعي وسيفي
إلى أن يخلع الليل النهارُ
وإلا أن تبيد سَراة بكرٍ
فلا يبقى لها أبدًا آثارُ
الحديث اليوم عن مؤسس ثنائية السيف والقلم في التاريخ العربي، أو أول شخصية عُرفت في التاريخ العربي القديم قد جمعت بين هذه الثنائية الخطيرة. وهنا نعود إلى أوراق التاريخ عندما اعتزلت بعض قبائل بني بكر الحرب وتركت قبيلة جساس المعتدية (بنو ذهل بن شيبان) وحدها تخوض الحرب، فقد أدركت تلك القبائل الخطأ الجسيم الذي ارتكبه جساس بحق سيد من سادات العرب، لا سيما أن الحادثة وقعت طعنًا وغدرًا في الظهر وليس شجاعة بمواجهة الفرسان. فاعتزلت الحرب من جانب بني بكر: بنو حنيفة وبنو يشكر وبنو ضبيعة بن قيس رهط الحارث بن عباد، ولم يدخل هذه الحرب من جانب بني بكر إلا بنو ذهل بن شيبان، والذين مثّلوا السواد الأعظم طيلة مسار هذه الحرب.
في الأعوام الأخيرة بدأت كفة الحرب ترجح لصالح بني تغلب وقائدهم الزير سالم، وهنا أسرف المهلهل في القتل إلى حد كبير، بل وبدأ الغرور يعم المهلهل وقومه حتى حصل الخطأ الجسيم الذي أحدث تغيرًا جوهريًا في مسار الحرب، عندما تدخل أحد كبار بني بكر الذين اعتزلوا الحرب منذ البداية وهو الحارث بن عباد، وقدّم عرضًا لإحداث الصلح النهائي بين الطرفين المتقاتلين وإنهاء مسلسل الدماء باعتبار أن المهلهل وقومه بني تغلب قد انتصروا في الحرب، فأرسل ابنه بجيرًا مبعوثًا إلى المهلهل، وهنا تغطرس المهلهل وخرج عن عقله فقتل بجيرًا بدم بارد، ثم أنشد قصيدته الشهيرة التي يتبجح من خلالها بغرور الفارس الشاعر حين جعل مكانة مقتوله (بجير) بشسع نعل كليب:
وإني قد تركت بوارداتٍ
بجيرًا في دمٍ مثل العبير
هتكت به بيوت بني عباد
وبعض الغشم أشفى للصدور
لقد شرع المهلهل يغالط نفسه والرأي العام العربي بأن قبيلته بني تغلب قد انتصرت على جميع بني بكر وليس على ذهل بن شيبان فقط. وبدأت أشعاره تنتشر بين العرب انتشار النار في الهشيم، وكان كل ذلك يقلق بقية فصائل بني بكر التي اعتزلت الحرب. فيتباهى المهلهل بقتله أحد رموزها الكبار وهو همّام بن مرّة:
وهمّامَ بنَ مرّةَ قد تركنا
عليه القشعمان من النسور
ينوء بصدره والرمح فيه
ويخلجه خَدَبٌ كالبعير
ويقول:
ولكنّا طعنا القوم طعنًا
على الأثباج منهم والنحور
نكبّ القوم للأذقان صرعى
ونأخذ بالترائب والصدور
في هذه اللحظة الحاسمة شعرت بنو بكر بالإهانة، وقررت جميع الأطراف التي اعتزلت القتال من دخول المعركة وتأديب الزير على خروجه عن إطار تقاليد الحرب وأنظمتها المعهودة في الجاهلية حين بدأ يعتدي على أفراد العناصر التي اعتزلت الحرب، كما أنه بدأ يسخر من كامل قبيلة بني بكر في قصائده وأشعاره. ولذا بدأت بنو بكر -كردّة فعل- بإبراز أقران المهلهل الذين يجمعون بين ثنائية السيف والقلم، مثل الحارث بن عباد وطرفة بن العبد، والفِنْد الزِّمّاني الذي قرر أن ينضم إلى صفوف المعركة رغم أنه في عمر المائة عام كما تقول الروايات.
لقد رتبت بنو بكر صفوفها استعدادًا للقتال، وقاموا بحلق رؤوسهم جميعًا كنوع من إعلان الغضب، ولهذا سُمّيت المعركة حينها بيوم (تحلاق اللمم)، واللمم جمع لمّة وهي شعر الرأس إذا كثر. وفي ذلك اليوم الحاسم انتصر بنو بكر انتصارًا مدويًا، وانقلبت موازين القوى ضد المهلهل الذي يُقال إن الحارث بن عباد قصم ظهره وتركه في حالة صحية سيئة. وقد كان يوم (تحلاق اللمم) آخر أيام حرب البسوس، ويصح أن نقول إنه كان بداية النهاية لهذا المسلسل الحربي.
وفي هذا اليوم الشهير استطاع الشعراء الفرسان من بني بكر أن يختطفوا الأضواء الإعلامية من المهلهل بن ربيعة، الذي تسيّد الموقف منذ بداية الحرب.
حديثنا اليوم عن الفند الزِّمّاني تحديدًا، واسمه شهل بن شيبان بن ربيعة من بني زِمّان بن مالك من بني بكر بن وائل، وقد اشتهر بلقب الفِند لأنه كان يقول لقومه في الحروب: استندوا إليّ فإني لكم فِند، والفِند هو الجبل العظيم. فيقول في رائعته النونية:
صفحنا عن بني ذهل وقلنا القوم إخوانُ
عسى الأيام أن يرجعن قومًا كالذي كانوا
ويعني بصفحنا أننا أعرضنا عن حرب البسوس، وقلنا القوم إخوان، أي إن بكرًا وتغلب بنو عمومة.
ثم يقول:
فلما صرّح الشر وأمسى وهو عريانُ
ولم يبق سوى العدوان دناهم كما دانوا
أي لما ظهر الشر، لم يبق إلا المواجهة.
ويقول:
وبعض الحِلم عند الجهل للذلة إذعانُ
ثم يختم:
مشينا مشية الليث غدا والليث غضبانُ
وفي الشر نجاة حين لا ينجيك إحسانُ
فيعني أنّ النجاة تكون أحياناً في مكامن الشرِّ عندما يضطرُّ الإنسانُ إلى ذلك، أيْ أنّ الشدة والبأس مطلوبان في الوقتِ الذي لا ينفع فيه اللين والإحسان! فلكلِّ مقامٍ مقال كما يُقال.