د. مريم خلف العتيبي
في كل موسم، يطلّ برنامج «الليوان» بوصفه منصة حوارية ثرية، يدير دفتها الإعلامي المتألق عبدالله المديفر عبر قناة روتانا خليجية، مستقطبًا طيفًا متنوعًا من الشخصيات التي تعكس نبض المجتمع وتعدد توجهاته. وفي واحدة من أبهى حلقاته وأكثرها عمقًا، حلّ الشاعر سفر الدغيلبي ضيفًا، فبدّد دهشة المتوجسين من استضافته، وأثبت –كعادته– أن التميز ليس طارئًا عليه، بل سمة راسخة في تكوينه المعرفي والثقافي.
لم يكن حضور الدغيلبي عابرًا، بل جاء محمّلًا برؤية تتجاوز حدود الشعر إلى آفاق الفكر؛ إذ طاف بالمشاهد بين الفنون والعلوم، مؤكدًا أن الفلسفة هي الخيط الناظم للمعرفة الإنسانية، وأن الشعر في جوهره فعلٌ فلسفي، لا يكتمل إلا بامتلاك الشاعر بصمته الخاصة، تلك البصمة التي تشبه في فرادتها الحمض النووي (DNA)، لا تتكرر ولا تُستعار. ومن هنا، يغدو التطوير المستمر ضرورة وجودية للشاعر، لا ترفًا إبداعيًا؛ فركود المخزون الثقافي كفيل بإخماد جذوة الشعر، بينما يظل التجدد هو الوقود الحقيقي لاستمرار العطاء.
وقد لامس الدغيلبي جوهر التجربة الشعرية حين ربطها بعمق الخبرة الحياتية؛ فالشاعر، في نظره، ليس ناقلًا للغة فحسب، بل حاملٌ لتجربة زمنية مكثفة، يختزلها في أبيات تُجسّر المسافة بين الأجيال، وتمنح المتلقي فرصة معايشة ما لم يعشه. وفي سياق حديثه، لم يتردد في إعادة رسم خريطة الشعر، مؤكدًا أن المملكة العربية السعودية تزخر بثراء شعري يفوق ما يُنسب إلى غيرها، من حيث عدد الشعراء والمتذوقين على حد سواء.
وتجلّى العمق الثقافي للدغيلبي في استحضاره لتأثيرات المفكر علي الوردي، لا سيما فيما يتصل بالميتافيزيقيا، غير أنه لم يقف عند حدود التلقي، بل مارس حقه في الاختلاف، رافضًا اختزال الشعر في كونه نقيضًا للمعادلة الرياضية. بل ذهب أبعد من ذلك، حين أخضع الأوزان الشعرية لمنطق عددي دقيق، مستندًا إلى خلفيته الرياضية، ليمنح النص الشعري بعدًا جديدًا يزاوج بين الذائقة والحساب.
وفي ميدان المحاورة، رسم الدغيلبي صورة الشاعر المقاتل، الذي يخوض معركته بالكلمة، حيث لا مجال للتردد، ولا خيار سوى الانتصار أو الانكسار. ورغم ما يسبق الانطلاقة من عناء في بناء البيت الأول، إلا أن الشاعر –كما يصف– يتحول فجأة إلى طاقة متقدة، تتدفق منها الأبيات تباعًا في انسياب مدهش. وهي لحظة إبداعية تتجلى فيها سيادة المخزون الثقافي، وسرعة البديهة، وقوة الحضور.
ولم يغفل الدغيلبي عن حساسية الكلمة ومسؤوليتها، مؤكدًا أن جمهور الشعر ليس متلقيًا سلبيًا، بل ناقد واعٍ، يُمحص ويُدقق، ويملك القدرة على القبول والرفض. ومن هذا المنطلق، دافع عن أصالة بعض المفردات التراثية، مثل لفظة “الفطائر”، مبينًا جذورها في البيئة العربية، ودلالاتها المرتبطة بالإبل، ومستشهدًا بنماذج شعرية من مختلف مناطق الجزيرة العربية، في تأكيد على عمق الامتداد الثقافي للمفردة.
كما استعرض تاريخ فن المحاورة، مشيرًا إلى تعدد تسمياته، وانطلاقه من الحجاز، ثم امتداده في الخليج وما جاوره، حتى غدا فنًا جماهيريًا عابرًا للحدود. وأشاد بأدوار رواده، من مطلق الثبيتي إلى حبيب العازمي، في ترسيخ حضوره وتوسيع قاعدته الجماهيرية.
أما عن شخصيته، فقد بدت ملامح التوازن واضحة؛ فهو، وإن وُصف بالحدة أحيانًا، يراها ضرورة يفرضها مقام المواجهة الشعرية، لا طبعًا أصيلًا. بل إنه يُقرّ بفرحه حين يلمع خصمه، لأن في ذلك تحفيزًا له على تقديم الأفضل، وارتقاءً بمستوى المحاورة ذاتها.
ختامًا، لم يكن لقاء الدغيلبي في «الليوان» مجرد حوار عابر، بل تجربة فكرية وجمالية ثرية، كشفت عن شاعر يرى في الشعر قيمة عليا، ونعمة تستوجب التوقير، لا وسيلة للابتذال. لقد قدّم نموذجًا للشاعر المثقف، الذي يجمع بين الأصالة والتجديد، ويؤمن بأن الكلمة مسؤولية، قبل أن تكون إبداعًا.
فشكرًا للمديفر على هذا الاختيار الموفق، وشكرًا للدغيلبي الذي منحنا ليلةً من المتعة الفكرية والثراء الأدبي.