د.حسن مشهور
لقد تمكنت السيرة خلال متتاليات زمنية بعينها، من تحقيق معادلة الوجود الأدبي، وهو وجود قد ضمن لها تحقيق تموضعها كجنس أدبي يأخذ مكانه إلى جوار الأجناس الأدبية الأخرى، له قراؤه وقبل ذلك له من الأدباء من تهفو أنفسهم للكتابة فيه والتعبير عن ذواتهم من خلاله. فعند نظرنا للسيرة الذاتية من منظور كونها تمثل رواية وهو ما يدخلها تحت مظلة السرديات؛ فإننا نكون قد اتكأنا في نظرتنا هذه فكرة أن السيرة الذاتية تحتوي بالفعل على مكونات سردية وهو الأمر الذي يحقق لها تلك الكفاءة السردية المتمثلة في القدرة على إنتاج السرود أي الحكايات وفهمها.
ولكون السيرة قد أضحت تمثل في الواقع سردية أدبية لها قالبها الخاص؛ فعليه قد أصبح يسري عليها ما يسري على السرد باعتباره تجربة إبداعية قائمة بذاتها. ومن هنا فإن السيرة الذاتية ينبغي أن تنطوي في الواقع على تلك الثلاثة أبعاد الرئيسة التي يتشكل من خلالها العمل السردي الأدبي، وهي ثلاثية تتمظهر في المثير وهو يعد بعد تجريبي، مما «ينتمي إلى المركز الخارجي الذي يفارق المركز الداخلي للمبدع، ويتمثل هذا المركز الخارجي في موقف أو حادث أو رؤية مباشرة أو ذكرى أو مناسبة، أو غير ذلك من المثيرات التي تمثل تحفيزاً مستمراً يواجهه المبدع، ودون هذه المواجهة لا يكون للمبدع مصدر إنتاج يستخرج منه إبداعه. بعبارة أخرى يمثل المثير تلك الحتمية الباعث للاستجابة التعبيرية التي تدور في فلك المركز الخارجي، سواء أكان هذا المركز الخارجي متسما بالعمومية أو الذاتية أو من تلك الأنماط المادية أو المعنوية أو ممن يتسم بصفة مباشرة من عدمها.
أما البعد الثاني فترتسم معالمه في الانفعال الذي يَرِد كحالة تفاعلية نفسية للمركز الداخلي لصاحب التجربة الإبداعية. وهذا المركز الداخلي هو الذي يحوي في الواقع مخزون المبدع الانفعالي. وهو يمثل منطقة جذب للمركز الخارجي، بحيث يتحقق منهما نوع من التفاعل النفسي والذهني وهو يعد انفعالاً لا يتصف بالاتزان، إذ تكون الغلبة فيه للمركز الداخلي الذي يعمل في ضوء ذلك على إعادة تشكيل المركز الخارجي كي يتسق ويتوافق معه.
في حين يتمثل البعد الثالث في التشكيل الذي يمثل حالة التفاعل الثنائي بين المركزين السابقين؛ أي المثير والانفعال؛ وارتدادهما معاً باتجاه الخارج في قولبة وتشكيل صياغي ذي صفات جمالية لا تتماهي على الإطلاق مع تلك المتعلقة بالصياغة الإخبارية أو المألوفة. ومن خلال التشكيل يتمكن القارئ الافتراضي وكذلك القارئ الهدف من مطالعة السيرة الذاتية ومعاينة محتواها البنيوي التعبيري التشكيلي في صورته النهائية.
وعندما نتعاطى مع السيرة في قالبها البنيوي سواء تلك التي يخطها بيده صاحبها أي «الذاتية» أو «المروية» أي تلك التي تروى عنه كتابيا من قبل آخرين سواء بعد رحيله أو قبل مماته؛ فإنه يتوجب علينا أن نأخذ بعين الاعتبار أن هناك قوالب بنيوية يتم من خلالها تشكيل العمل السيري، وخروجه للعلن في ثوبه القشيب. حيث تقسم قوالب تشكيل السيرة الذاتية أو الغيرية لثلاثة أقسام رئيسة تشمل القالب الروائي الذي يعمد فيه صاحب السيرة إلى سرد سيرته في تشكيل تعبيري يروي فيه أحداث حياته الشخصية مع ما يتخللها من ذكر لمواقف شخصية خاصة، بحيث يكون صاحب السيرة هو المقدم لحياته تعبيريا. وعليه فهو لا يلجأ في هذا المقام لممارسة تقنية القناع والتخفي وراء بطل الرواية، ولا يعمد كذلك لتوظيف تقنية البناء التشكيلي الروائي. أي أنه لا يعمل على الانسياق وراء عناصر الفن الروائي التي تتطلب توظيف الخيال وتحوير بعض الحقائق تحويراً يخل بالحقيقة التاريخية وبحقائق الحياة الشخصية لصاحب السيرة وتوظيف تقنيات التعبير الحديثة كالتناص والتشاكل والأيقون. والقالب التفسيري التحليلي وهو تشكيل بنائي للسيرة يعمد فيه كاتبها لتوظيف أسلوب المقالة النثرية في كتابة المحتوى السيري. ويتحقق ذلك عبر تقديم الحقائق بأسلوب تقريري مع الميل لشرح وتقديم تفسيرات وتحليلات للحقائق الحياتية والتجارب الممارسة التي عايشها. كما أن جل جهده الكتابي يكون موجهًا لتسجيل الحقائق في صورة تقريرية على حساب تصوير المواقف والشخصيات والحقائق. في حين يتمثل القالب الثالث في القالب التحليلي التصويري وفيه يتم تشكيل البنية السيرية في قالب يتسم في أسلوبه بالوسطية بين التصويرية التي تتميز بها الرواية وبين الأسلوب التفسيري التحليلي الذي تعتمد عليه المقالة النثرية بغض النظر عن أنواعها المقالية التكوينية.
لكن إن كنا قد عرفنا خلال زمننا الحاضر واقع السيرة باعتبارها تشكيلا سرديا قائما بذاته، فالسؤال الذي ينبغي أن نفكر فيه بشكل جدي، هو ما الذي ستكون عليه السيرة في قادم الأيام ومستقبلها؟ في تقديري أن السيرة الذاتية القادمة لن تكون على شاكلة نص يُكتب بعد اكتمال التجربة، بل ستتحول إلى كائن حيّ ينمو بالتوازي مع صاحبه. سنشهد انتقالًا من السيرة المكتوبة إلى السيرة المتدفقة، حيث تُسجَّل التفاصيل اليومية تلقائيًا عبر وسائط رقمية، من الصور إلى التسجيلات الصوتية، وحتى مؤشرات الحالة النفسية. ستصبح حياة الإنسان أرشيفًا دائم التحديث، لا يحتاج إلى ذاكرة تسترجع بقدر ما يحتاج إلى وعي يُنتقي. ومن ثم ففي هذا الأفق، لن يكون الكاتب هو المؤلف الوحيد لسيرته. وإنما عوض عن ذلك ستدخل الخوارزميات كشريك خفي، تقترح، تحذف، تعيد ترتيب الأحداث، وربما تكتب مسودات كاملة.
بيد أن هذا الأمر ينبثق عنه سؤال وجودي مفاد؛ هل ستبقى السيرة الذاتية سيرة ذاتية؟ أم ستتحول إلى نص هجين، تتقاطع فيه إرادة الإنسان مع منطق الآلة؟ أعتقد جادًا بأن القيمة الأدبية لن تكمن في الوفرة، بل في الاختيار. فحين يصبح كل شيء قابلًا للتسجيل، تبرز مهارة الحذف بوصفها جوهر الكتابة. إذ سيعود الأدب إلى مهمته الأولى المتمثلة في إعطاء المعنى، لا جمع الوقائع. وربما سنجد كاتب السيرة في المستقبل أقرب إلى مخرج سينمائي، يقتطع من أرشيف هائل لقطات بعينها، ليصوغ منها سردًا يحمل رؤية.
في حين إنه من جانب الشكل، فإن السيرة ستتحرر من الخطية التقليدية، بحيث لن تبدأ بالطفولة وتنتهي بالشيخوخة، بل قد تُقرأ عبر مسارات متعددة، يختار القارئ بينها. فهناك سيرة تُقرأ كخريطة، أو تُشاهد كتجربة تفاعلية، أو حتى تُعاش عبر تقنيات الواقع الافتراضي، حيث يمكن حينها للمتلقي أن يدخل ذاكرة الكاتب، لا أن يكتفي بقراءتها. إلا أنه في رأيي ستظل هناك حاجة إلى الصوت الإنساني الصافي. فالوسائط الإلكترونية والذكية منها مهما تطورت رقميًا، سيبقى القارئ يبحث عن تلك اللحظة الصادقة التي يعترف فيها الكاتب بشيءٍ لا يمكن للآلة أن تدركه، كالشعور بالندم، أو الحنين، أو ذلك الارتباك الغامض الذي يصاحب فهم الذات. وهنا تحديدًا ستبقى السيرة فنًا، لا مجرد بيانات مرقمنة.
وأعتقد جادًا، إن مستقبل السيرة الذاتية في عوالم الخوارزميات المستقبلية لن يهدد بشكل كلي هذا الجنس الأدبي بقدر ما يعيد تعريفه. حيث سيُجبر الكتّاب حينها على طرح أسئلة أعمق تتمثل في ماذا يعني أن نحكي حياتنا؟ وما الذي يستحق أن يُروى؟ ومن هنا أجدني أميل للقول بأنه في عالم مرقمن مستقبلي ذكي يسجل كل شيء، قد تصبح السيرة الحقيقية هي ما نختار أن نصمت عنه.