إعداد - عبدالله عبدالرحمن الخفاجي:
لم تكن الرياض يوماً مجرد كتل من الأسمنت أو شبكة من الطرق المتقاطعة، لكنها في الخامس عشر من أبريل، وفي غمرة الاحتفاء العالمي بيوم الفن، تبدو وكأنها تخلت عن وقارها الجاد لتستحيل إلى «قصيدة» بصرية كبرى. في هذا اليوم، لا نحتفي بمجرد لوحة عُلقت في رواق، أو منحوتة حُبست في قاعة؛ بل نحتفي بمدينة قررت أن تفتح قلبها للجمال، لتصبح الساحات والميادين هي «الجاليري» الذي لا تُغلق أبوابه أبداً.
حين يعانق الحجر روح المدينة
تبدأ الحكاية من اللحظة التي قررت فيها الهيئة الملكية لمدينة الرياض عبر برنامجها الطموح «الرياض آرت» أن الفن ليس ترفاً يُقتنى بل هو حقٌّ مشاع، في أبريل 2026 وبينما كان العالم يتبادل التهاني بيوم الفن كانت الرياض تكشف عن وجهها الجديد: 75 عملاً فنياً دائماً استوطنت شوارعها ومحاورها في رحلة تهدف للوصول إلى 190 عملاً في القريب العاجل.
تخيل نفسك في الصباح الباكر تعبر تقاطع طريق الملك عبد العزيز مع طريق هشام بن عبد الملك هنا لا تصادفك مجرد خرسانة جامدة بل يوقظك عمل «الجري إلى ما وراء» للفنان أنجيلو بونيلّو. هذا العمل المركب على جسر المشاة لا يؤدي وظيفة الربط بين ضفتين فحسب، بل يربط بين حركتك اليومية وبين فيض من الضوء والبنية التحتية التي استحالت إلى معلم بصري. إنه الفن الذي يركض معك، يسبقك تارة ويحاذيك تارة أخرى، محولاً «المشوار» الرتيب إلى رحلة استكشاف.
حوار الحضارات فوق رمال نجد
في قلب هذه السردية الجمالية، يجلس 35 فناناً سعودياً على طاولة واحدة مع 100 فنان عالمي ينتمون لـ 45 دولة. هذا ليس مجرد رقم في سجلات الإنجاز، بل هو حوار حضارات يُكتب بالجرانيت والرخام والفولاذ.
حين تتوجه إلى الحي الدبلوماسي، يستقبلك جيف كونز بعمله «الماسة « ليعيد تعريف الانعكاس واللون وسط هدوء الحي وقوة حضوره. وبجوارها تتألق «مرآة السماء « لأنيش كابور تلك المرآة التي لا تعكس وجوه المارة بقدر ما تعكس سماء الرياض الصافية، وتجذب زرقة الفضاء لتسكن بين جنبات الأرض. هنا، يشعر الزائر أن الرياض لم تعد مدينة محلية فحسب، بل هي نقطة التقاء لمدارس فنية تمتد من نيويورك إلى طوكيو، ومن باريس إلى قلب نجد.
الرواد.. العودة إلى جذور الضوء
لكن الجمال في الرياض لا ينسى جذوره. ضمن هذا السرد الروائي لمسيرة «الرياض آرت»، تبرز لمسة الوفاء لجيل الرواد. إن استعادة أعمال الفنان الراحل محمد السليم رائد الحداثة الفنية في المملكة، وترميمها لتعرض في ميادين العاصمة هي بمثابة عودة الروح إلى الجسد.
السليم الذي طالما حلم بأن يخرج الفن من إطاره الضيق، يرى حلمه الآن يتحقق وهو يطل على الأجيال الجديدة من خلال أعماله التي ستُركب في مواقع إستراتيجية، لتؤكد أن الحداثة السعودية ليست وليدة الصدفة، بل هي امتداد لعمق إبداعي أصيل بدأ منذ عقود. وبجواره، ينسج فنانون مثل زمان جاسم قصصاً من المعدن والضوء، كما في عمله «كثبان ذهبية» الذي يراقص الريح والحركة عند تقاطعات الرياض الحيوية، محولاً الكثبان الرملية التي سكنت ذاكرتنا إلى «أيقونة» من الفولاذ والذهب.
الفن كفلسفة عيش: ما وراء المنحوتة
في حديثه الذي يحمل نبرة الواثق، يشير المهندس بدر الشنيفي - أحد مسؤولي الرياض آرت- إلى فلسفة عميقة فالاختيار لم يكن عشوائياً، بل استند إلى «دراسة أنماط الحركة». هنا تكمن الحبكة، الفن في الرياض صُمم ليكون جزءاً من التجربة اليومية.
في مركز الملك عبد العزيز التاريخي، حيث تفوح رائحة التاريخ، تجد عمل «التوازن» لجوزيبي بينوني، وهو عمل يدعوك للتوقف والتأمل في العلاقة بين الطبيعة والنمو. وبخلاف ذلك، في مركز الملك عبد الله المالي (KAFD)، حيث ناطحات السحاب تعانق السحاب، تبرز «شجرة العائلة» لسوبوده غوبتا، لتذكرنا في زحام المال والأعمال بأهمية الروابط الإنسانية والجذور.
هذا التوزيع الإستراتيجي يجعل من الرياض مدينة «صديقة للإنسان». لم تعد المدينة مجرد مكان للعمل، بل مكاناً للدهشة. الفن هنا يعمل كـ»ممتص للصدمات» الحضرية، يمنح العين استراحة من رمادية الأسمنت، ويمنح الروح زاداً من الإلهام قبل الدخول في عراك اليوم الطويل.
نحو المستقبل: 12 فصلاً جديداً من الإبداع
والرواية لا تنتهي هنا. فالمستقبل يخبئ فصولاً أكثر إثارة، مع التخطيط لتنفيذ 12 عملاً نحتياً ضخماً لمسارات النقل الرئيسة، بمشاركة أسماء رنانة مثل أنسلم كيفر، وإدريس خان، وريوجي إيكيدا. هؤلاء الفنانون لن يضعوا منحوتات فحسب، بل سيصيغون «هوية بصرية» لممرات النقل، ليكون المسافر في الرياض، سواء عبر المترو أو الحافلات أو سيارته الخاصة، في رحلة فنية مستمرة.
منذ انطلاق «الرياض آرت» في 2019 كأحد مشاريع رؤية السعودية 2030 الكبرى، والهدف كان واضحاً: تحويل العاصمة إلى معرض مفتوح. واليوم، وبعد سنوات من العمل الدؤوب، ومن خلال برامج مثل «نور الرياض» و»طويق للنحت»، نرى الثمار ناضجة. الملايين الذين زاروا هذه الفعاليات لم يكونوا مجرد «مشاهدين»، بل كانوا «جزءاً» من العمل الفني، تفاعلوا معه، التقطوا الصور بجانبه، وأصبح جزءاً من ذاكرتهم الجمعية.
الرياض.. القصيدة التي لا تنتهي
في يوم الفن العالمي، نقف في الرياض بكل فخر لنقول إن الفن ليس مجرد لوحة تُعلق على حائط مائل، بل هو نبض يسري في عروق الطرقات، إنها دعوة لكل ساكن في هذه المدينة العظيمة، ولكل زائر يطأ أرضها أن يرفع بصره قليلاً عن شاشة هاتفه ليرى المعجزة التي تحدث في الميادين.
الرياض اليوم لا تبني الأبراج فحسب، بل تبني الإنسان عبر تعريضه لأرقى أشكال الإبداع البشري، هي رحلة بدأت بمقترح واستمرت بمنافسة دولية شارك فيها 161 فناناً وتتجسد اليوم واقعاً ملموساً يغير وجه «نجد» ويضعها في صدارة المشهد الثقافي العالمي.
الرياض في يوم الفن العالمي هي «لوحة العالم» الكبرى، والقصيدة التي تُكتب بمداد من الضوء والطموح، ولن يطول الزمن حتى تصبح هذه العاصمة هي «القبلة الأولى» لكل باحث عن الجمال في أبهى تجلياته الحضرية.
** **
إكس: AL_KHAFAJII